فكره علم الدجل
...............................................................
محمود الفقي
..................
في برنامج " خارج النص" على قناة أون تي في المملوكة لساويرس
(وهي نفس القناة التي استضافت طاهيا إسرائيلياً في حلقة من
برنامجها "إسرائيل من الداخل" ليحكي عن أنواع الطعام في
إسرائيل، ويا له من موضوع في غاية الأهمية فعلاً ، ولا أدري
كيف أشكرك يا ساويرس على محاولاتك الدؤوبة للتآخي مع الكيان
الصهيوني الحبيب!) استضاف الطبيب خالد منتصر الشاعر أحمد عبد
المعطي حجازي إحياء لذكرى من يسمونه شهيد الكلمة وفولتير مصر
فرج فودة. والحقيقة أن الأسماء الثلاثة التي ذكرتها لا تحتاج
إلى إعمال للذهن وقدح لزناد الفكر لاستبطان واستنباط ما
يتمخض عنه محتوى هذا البرنامج ولا نتائجه وتوصياته التي يريد
منها خالد منتصر وحجازي و على طريقة جوبلز أن تزيد حملات
الكراهية ضد الإسلاميين على اختلاف أطيافهم. والواقع أن
منتصر لا يمل ولا يكل ولا يتوقف عن كيل الاتهامات المتطرفة
ضد الإسلاميين ويبدو أن هذه الأسطوانة المشروخة أصبحت عمل من
لا عمل له وهي على كل حال الباب الذي يعتاد الدخول منه كل من
يرغب في الحصول على ألقاب لطيفة مثل مفكر، مستنير، عقلاني،
تقدمي، وحدوي، حداثي، نخبوي...إلى آخر هذه المفردات المطاطة
التي يكتنفها الكثير من الدجل والخلط والتلبيس.
والمتابع لمقالات منتصر أو المثقف العضوي كما يسميه كاتبنا
الكبير الأستاذ محمود سلطان خاصة وأن الرجل متخصص في أمراض
الذكورة، يجد أنه مشغول أيما شغل بقضايا عظيمة تصب في أعلى
سلم الأولويات بالنسبة للأمن القومي والتقدم الحضاري والنهضة
العلمية لبلاده، مثل النقاب والختان والجنس والدعاة الجدد
والتلحين والغناء والفنانات التائبات والإسلام والفن
التشكيلي والجنس في كتب الفقه والحديث وكون الثقافة الجنسية
أمراً واجب التدريس وتعدد الزوجات هل هو رخصة شرعية أم طفاسة
ذكورية، وهذا بنص عناوين مقالاته.
وإذا ما تحدثنا عن عبد المعطي حجازي ففي الجعبة الكثير، ومما يثير الأسى أن
هذا الشاعر الموهوب الذي عد شوشة تجربته أصفى من حيث الشعرية
في مفهومها الحقيقي من تجربة صلاح عبد الصبور رغم أن الثاني
يذكر كلما ذكر التجديد في الشعر وكلما تناول النقاد شعر
التفعيلة والشعر الحر والمعارك ضد أساطين الشعر العمودي وما
كان من وقوف عبد الصبور وحجازي نفسه ضد العقاد وهو هو، أقول
إن هذا الشاعر قد تفرغ لمعارك وهمية ضد الإسلاميين. ومن آخر
ما كتب في الأهرام مقال بعنوان: مصر الحاضرة في كوبا، يصول
فيه حجازي ويجول ويركز على ما قدمه له سفيرنا - الذي يسميه
المثقف - في كوبا من فرقة كوبية تخصصت في الرقص الشرقي ويقول
الرجل بالنص:" لقد أصبح الرقص الشرقي فنا عالميا, وكما
انتشرت مدراسه في مدن أوروبا, وأمريكا انتشرت كذلك في مدن
أمريكا اللاتينية, بينما يحارب في مصر, وأخشي أن يأتي
يوم نستورد فيه الرقص الشرقي من كوبا, كما نستورد فوانيس
رمضان من الصين!." ولله في خلقه شئون، فهناك من يحترق ألما
على مجزرة غزة، وهناك من يموت حزنا على ما آل إليه حال
بلادنا التي رأينا فيها لأول مرة من يموت في طوابير الخبز
ومن يغرق في البحر هربا من بلاده التي لم تعد بلاده كما يقول
جويدة، وهناك من يدبج المقالات في أكبر الصحف دفاعا وحزنا
على ما أسماه حربا ضد الرقص الشرقي!
وبعد، فأنت واجد مما سبق وهو غيض من فيض وقليل من كثير أن
كليهما يدندن حول أسطوانة مشروخة في بلاد مثخنة بالجراح،
يعتمد كلاهما فيها على الذاكرة الخؤون لهذا الشعب المسكين
الذي نسي بعضه أن إسرائيل هي العدو الأول، وأصبح الآن يجتذب
طاهيا إسرائيليا ليحكي عن المطعم الإسرائيلي.
يحكي حجازي عن منصور فهمي وعلي عبد الرازق، وهو لا يدري
وربما يدري ويتغافل أن الأول كان يناضل من أجل الانتصار
للعامية وقال في كتابه: وضع المرأة في الإسلام، وهو في الأصل
رسالته للدكتوراه في باريس بعنوان"حالة المرأة في التقاليد
الإسلامية وتطوراتها":"محمد يشرع لجميع الناس ويستثني نفسه
مع أنه كان المشرع الذي ينبغي عليه أن يخضع لما يدعو إلى
تطبيقه على الآخرين إلا أنه كان له ضعفه واختص نفسه ببعض
المزايا". وأن الثاني قد قال نصا في صفحة 41 من كتابه
الإسلام وأصول الحكم: "وإذ أردت مزيدا في البحث فارجع إلى
كتاب الخلافة للعلامة (هكذا يصفه بالعلامة) السير تومس
آرنولد، ففي الباب الثاني والثالث منه بيان ممتع ومقنع." ثم
يقول في صفحة 45 من نفس الكتاب:" تكلم عيسى ابن مريم عليه
السلام عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطي ما لقيصر لقيصر...
وكان ما جرى في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر
الإمامة والخلافة والبيعة الخ لا يدل على شيء أكثر مما دل
عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر."
والكلام سواء لمنصور أو عبد الرازق لا يحتاج إلى تعليق أو نقض فمن المعضلات
توضيح الواضحات. يسأل منتصر حجازي: هل فرج فودة فعلا أنكر
معلوما من الدين بالضرورة؟ ويا ليت شعري هل كان حجازي عالم
دين حتى توجه له سؤالك؟ أين المنطق وأين الموضوعية، وما دخل
حجازي الشاعر في قضية دينية بحتة يدل عليها منطوق سؤالك؟
والمضحك أن حجازي يصدق نفسه (فالمثقف عندنا فهلوي يجيد كل
شيء) ويجيب في مسألة الفرق بين الدين والدولة بحديث أنتم
أعلم بشئون دنياكم، وهي إجابة تؤكد معنى الفهلوة والضحك على
الذقون. يقول حجازي بالنص: الدولة التي ظهرت في عهد الرسول
لا علاقة لها بالإسلام إلا من حيث إن الرسول كان رئيسها وكان
هو صاحب الوحي. يقول حجازي لا يستطيع أحد أن يقول إن الإسلام
هو الذي أنشأ الحدود بل حد الزنا كان عند اليهود وحد السرقة
وهو قطع اليد كان عند المصريين والمجتمع الأوروبي كان يعاقب
بقطع اليد. يضيف حجازي ينبغي أن ننظر لمقاصد الشريعة
فالمقصود من قطع اليد هو كف السارق عن السرقة ولذا أوقف عمر
حد السرقة في عام الرمادة.
وعليه فإذا نظرنا للمقاصد سنجد أن الحدود ليست قانونا مقدسا من الشريعة وإنما
هي قانون اجتماعي يقبل التعليق ويمكن أن يطبق في مجتمع ولا
يطبق في آخر. يرد خالد: الإمام الطوفي نفسه يقول: أينما وجدت
المصلحة فثم شرع الله. انظر إلى هذا الكم من الدجل والقفز
الزئبقي من فكرة لفكرة والخلط في أمور أضنى بحثها أقوى
الباحثين في علوم الدين. انظر إلى المغالطات في البدهيات.
يورد حجازي حديث: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتَوك" وهو
الذي رواه أحمد والدارميُّ بسندٍ حسن. وهو حديث مظلوم كثيرا
ما يستشهد به الناس بغرض الترخيص لأنفسهم في إسباغ الشرعية
والإباحة لأشياء كثيرة ولا يفهمون ولا يفهم حجازي ولا منتصر
أن هناك شروحا وشراحا للأحاديث لم يستدلوا به على ما يخترعه
الليبراليون وكل من لف لفهم.
يقول حجازي: العلمانية هي الدنيوية وهي ليست ضد الدين، وهنا
لا أرى مشكلة لكن المشكلة الحقيقية هي منطق الفهلوة الذي
يسير عليه منتصر وحجازي حتى يصل حجازي لنتيجة عبقرية مفادها:
العلمانية يثبتها الدين والدليل هو الكلمة المنسوبة لأبي بكر
: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
ثم ينتهز الفرصة منتصر وبكل فهلوة ودجل فيقول: إذن حتى
العلمانية لها أصل عربي ولها أصل إسلامي!! بل ويدخل على الخط
المطرب والملحن المغمور محمد نوح ليقول: الفهم الصحيح
للإسلام يجعلنا نقول إن الإسلام يدعو للعلمانية!!! وأيضا لا
تعليق مني على هذا السخف.
يختتم حجازي بقصيدته: "شفق على سور المدينة" التي يشنع فيها
على الفتح الإسلامي لمصر، ويصف هذا الفتح بأبشع الصفات
وبالطبع يهلل منتصر فرحا وتنبسط أساريره وكأنه ملك مظفر
ويختم حديثه بتلاوته كلام فودة التالي:" السائرون خلفا،
الحاملون سيفا، المتكبرون صلفا، المتحدثون خرفا، القارئون
حرفا، التاركون حرفا، المتسربلون بجلد الشياه، الأسود إن غاب
الرعاة. الساعون إن أزفت الآزفة للنجاة، الهائمون في كل واد،
المقتحمون في مواجهة الارتداد، المنكسرون المرتكسون في ظل
الاستبداد، الخارجون عن القوانين المرعية، لا يردعهم إلا
توعية الرعية، ولا يعيدهم إلى مكانهم إلا سيف الشرعية، ولا
يحمينا منهم إلا حزم السلطة وسلطة الحزم، ولا يغني عن ذلك
حوار أو كلام." انتهى كلام فودة، ولو أنصف حجازي ومنتصر
لتركوا لنا الفرصة لنوجه كلام فودة لهم ونقول لهم بل أنتم من
كان يحكي عنهم فودة ولو لم يقصد ذلك. وأما فرج فودة فمثلهم
يحدث قعقعة لا طحناً. لم يأت بجديد ولا خاض حربا هي الأولى
ضد القيم الإسلامية، بل كان يقتات على موائد الاستشراق
وأعداء الإسلام ومشكلتنا أنا لا نقرأ وأن ذاكرتنا خؤون. ويا
أيها الفكر الحر كم من الجرائم ترتكب باسمك ولا عزاء
للمنصفين. ويا قارئ العلم بين الجاهلين خطأً...كواقد الشمع
في قاعات عميان.
مصرنا ©