الضحك بسبب!
...............................................................
 |
|
|
السعادة |
|
بقلم : محمود
الفقى
.......................
عبثا كنت أجول بين بعض القنوات الفضائية لكن هذا المشهد
بالذات هو ما جذبني: طبيب على قناة البدر كان يجيب على سيل
منهمر من الاتصالات غالبها بالطبع كما تعودنا من النساء
والبنات. يبدو من سمت الطبيب أنه على دين فهو ملتح ويستخدم
بعض العبارات الدينية. سألته سيدة قالت بالنص: عمري خمسة
وستون عاما وزوجي لا ينتصب ولا يستطيع إتياني منذ خمسة عشر
عاما وأنا في حال سيئة وأضيق بهذا هل من حل أرجوك؟
حبست أنفاسي وأنا أرقب من كثب رد الطبيب فقال – طيب الله
اسمه وأشاع في الآفاق عطره – سيدتي الفاضلة كثّر الله خير
زوجك ، والحقيقة رغم تعجبي من سؤالك وحالك إلا أني لا أنكر
عليك السؤال ، ولكني أنكر أن تذكريه بهذه الصراحة أمام
ملايين المشاهدين من شرائح مختلفة منهم ابنتي التي هي الآن
في سن الزواج والتي أخجل أن أجيب على سؤالك أمامها الآن وهي
تشاهدني.
الجميل في رد الطبيب هو الجمال: أجل. فالرجل لا ينكر بداهة
حق المشاهد في السؤال ولكنه ينكر أن يصير السؤال عريا عن
الجمال والحياء وهما قيمتان توشك حياتنا أن تكون خلوا (بكسر
الخاء) منهما. يكفي أن أكرر حديث سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم: لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء.
هنا آخذ الخيط لأسأل: كم من كتاباتنا الحالية يحمل صفة
الحياء؟ النقد المتطرف الهدام هو نموذج يخلو من الحياء ،
والكذب والتضليل والتغريب ومحاربة الهوية هي نوع مرذول يعادي
الحياء ويكرهه.
عندما نقدت الخطاب السلفي لم أنقد عقيدة أو فقها أو علما
وإنما نقدت أسلوبا وطريقة ومدخلا للحديث والحوار سيما
والسلفيون الآن ملء السمع والبصر وهم في شبه احتكار لكثير من
آلات الإعلام الديني لكني محال أن يبلغ بي التطرف أن أظلم
الدعوة السلفية فهذه الدعوة تعلو فوق ذروة سنام الشرف والحق
والخير والعدل والجمال. بل ومعلوم من التاريخ بالضرورة أن كل
حركات العنف والتطرف لم تخرج من رحم السلفية قط بل خرجت من
رحم الإخوان المسلمين الذين ما إن نقدتهم نقدا خفيفا حتى
سارعوا بمخاصمتي ولا أدري لماذا فلست إخوانيا ولا سلفيا
وإنما أنا أدور مع ما أراه الحق والأهم أني لا ألزم أحدا
برأيي. وهذه فرصة لأقول: والله العظيم هذا نذر أني لو قابلت
أحدا من شيوخ السلفية من أهل الأسكندرية بالذات لقبلت أيديهم
رغما عنهم.
الدعوة السلفية في مصر كانت فتحا مباركا رأينا فيه ولأول مرة
أرباب المهن البسيطة يتعلمون أصول الحديث وأصول الفقه
والفروع والتجويد وعلوم القرآن وعلوم السنة بوجه عام. الشيخ
الشعرواي نفسه كان يبني كثيرا من حكاويه على أحاديث باطلة
وموضوعة ومن النادر أن تجد شابا سلفيا يذكر حديثا ضعيفا أو
موضوعا. بل وحتى نقدي لمحمد حسان ليس إلا لتعديل أسلوبه
ودمجه بالمنطق والعلم والحجة وليس مجرد الوعظ والرقاق.
وبالمناسبة فمحمد حسان من أعظم من رأيتهم خلقاً وأدباً وهذه
شهادة مني رغم أني لا أطيق سماعه!
ومناسبة الحديث هو مقال كتبه محمد فتحي في مدونته ثم نقله
الدكتور أحمد خالد توفيق ثم كتبه بعده بنفس التكرار مع شيء
من التصرف الدكتور علاء الأسواني. مضمون المقال خلافا لتهويل
الدكتور أحمد عادي جدا ومكرور ومعروف وأنا نفسي تعرضت لأسوأ
منه يوما ما. إنها قصة الإهمال في المستشفيات الحكومية. لكن
الذي أشعل غضبي هو الحيلة النفسية الدفاعية التي تجعل من
الملتحين والمتدينين والسلفيين محور هموم العالم ومشكلاته.
اللغة المستخدمة لغة ركيكة والأداء الدرامي ضعيف إلى حد عظيم
كما وأن الحبكة الروائية هنا أشبه ما تكون بحكاية أبو رجل
مسلوخة والأخيرة أجدى وأنفع.
المقال لا علاقة له بالحديث عن الإهمال في حق الفقراء لأن
محمد فتحي عالجها في مشفى خاص بثمانية آلاف جنيه لكن المضحك
أن محمد فتحي نفسه الذي يعيب عليهم فقدان (بكسر الفاء)
النظام والضمير كان شديد البذاءة في ألفاظ ذكرها توفيق وتصنع
بالتعفف ألا يذكر ما هو أسوأ وربما يكون معذورا لكن الأسواني
زاد على الرواية أن الملتحي كان يسوؤه ألا محرم مع المريضة
ويكرر توفيق كلام فتحي الساذج من أنه كرر أمام مسئول الأشعة
السلفي كلاما دينيا من نوع: الله المستعان ، حاذري أن يسقط
الحجاب من على رأسك وهكذا إلى أن لانت عريكة السلفي وكأنه
إنسان آلي يتحرك بألفاظ معينة ناهيك عن أن توفيق قد التمس
العذر لكل الأطباء والممرضين المهملين لأن رواتبهم ضعيفة ولم
يلتمس العذر للسلفي. والدليل على أن الغرض مرض وأن القصة بها
ما بها من الافتعال هو هذه الكلمة التي تعادي الموضوعية التي
يتشدقون بها :"شخص ملتح من هؤلاء الذين ما إن تراهم حتى تلعن
السلفيين واللحى والدعاة."
ذكرني هذا بتعليق قديم لي على مقال لنعم الباز – في المصري
اليوم - بما أنها من دكرنس وهي بلدي حيث كانت تتحدث بمرارة -
بدت لي بعدها أنها مثل جل كتاباتنا : "درامية مصطنعة" - عن
أحوال البحث العلمي والشباب وذكرت أني حاصل على ممتاز مع
مرتبة الشرف ولا تعنيني الشهادة واللقب فأنا أول من يعترف
بفشل التعليم المصري لكني معني بالتراث والقراءة والكتابة
وربما أقرأ في يوم واحد أكثر من عشرين ساعة. المهم جائتني
رسالة ثم اتصال هاتفي أسعد قلبي إلى اليوم من نائب مدير
مستشفى سرطان الأطفال ذاك الصرح العظيم الذي أسأل الموالى
سبحانه أن يجزي القائمين عليه خير الجزاء. أبلغني نائب
المدير بسعادة المدير بتعليقي ورجاني أن أرسل له سيرتي
الذاتية ليجد لي عملا في هذه المؤسسة العظيمة التي هي بحق
قلعة كبيرة. وبعد اتصالات ومجاملات ومدح كريم من جانبه ما إن
أرسلت السيرة الذاتية حتى قال لي: أنت أزهري ومهتم بالتراث
الإسلامي ونحن سعداء بك لكن رجاء أرسل صورة شخصية حديثة لك.
المهم ما إن أرسلت الصورة حتى انقطعت الاتصالات وبدا أن
السبب بالطبع هو كوني ملتحياً!!
وآسف ما في الأمر هو القولبة والتعصب والتطرف والتعجل في
الحكم والحيل النفسية الدفاعية وهي عيوب ظاهرة ومشتركة بين
كثير من العلمانيين المتعصبين ضد أية كتابة دينية لأن
الملتحي قسيم مشترك بين تيارات عدة فقد يكون من الإخوان أو
التبليغ والدعوة أو التكفير والهجرة أو المتدين الذي لا
انتماء له لحزب أو طائفة معينة أو البهائي أو القطبي أو حتى
من يسمونهم بالبوهيميين من الفنانين والرسامين.
والأهم هو أنه لو فرض أنه سلفي فليس بحجة على السلفيين
فأستاذ السكر والغدد الصماء في جامعة عين شمس وهو الطبيب ابن
الطبيب زوج الطبيبة وأبو الأطباء قتل وسحل وقطع ومثل بجثة
تاجر للأدوات الكهربائية لأنه اختلف معه في تسديد مئة
وثمانين ألف جنيه في تجارة بينهما لدرجة أن قطعه أشلاء وحرقه
وداس بسيارته الوجه ورمى بأشلاء كثيرة في أماكن مختلفة فهل
هذا العالم الكبير حجة على الأطباء؟!
كان طه حسين يقول: النقد الأدبي هو تعبير تأثري يقوم على
الفوضى وليس أحكاما قضائية واجبة الطاعة ومع هذا نرى النقد
منك حازما وقاطعا يا دكتور أحمد خالد توفيق فتعطي أحكاما
تنطبق على الشخص انطباق الغطا على الحلة وتتصل به اتصال
الماء بالقلة لمجرد أن هذا الشخص ملتح؟! يا دكتور هذه زفرة
مكلوم ممرور من كتابات تطبخ سريعا ولا تلتفت إلى العدل أقول
لك: اتق الله ، وكن أكثر أناة وأرحب بالاً ، ولا داعي
للشللية فلا تجامل محمد فتحي لمجرد أنه يقول إنك أستاذه ثم
لا تخش من أن يلمس القاريء الدين في كتاباتك ولا تخش من
تسليط الضوء على كاتب شاب لأنه متدين فالتدين يا سيدي شرف
كبير. وأنت يا أسواني لا تشرح المشروح بلغة ركيكة وإن كنتم
بالفعل على درجة من الموضوعية فأنتم مثلي تحتاجون إلى قراءة
أكثر من خمسين أو سبعين كتابا على الأقل فقط للتمييز بين
الحركات والطوائف الإسلامية الحالية قبل جمعها كلها في سلة
واحدة ولن ننال بعدها إلا كما ينال حسو الطائر من ماء لجي في
بحر عظيم. وساعتها لا داعي للقول القبيح المعتاد الذي قاله
الدكتور خالد توفيق:" :"شخص ملتح من هؤلاء الذين ما إن تراهم
حتي تلعن السلفيين واللحى والدعاة."
محمود الفقي
الضاحك بسبب!
mfiqy@yahoo.com