ابن حزم ونفيه للقياس
...............................................................
بقلم : محمود
الفقى
.......................
اليوم يستضيفني وإياكم إمامنا الكبير الشيخ محمد أبو زهرة
الذي لا أحتاج أن أحدثكم عنه أو عن كتبه ببساطة لأنكم
تعرفونها جيداً ولأننا نستطيع الآن بسهولة (بفتح السين) أن
ننسخ اسمه أو أيا من كتبه في أي من محركات البحث لتظهر لنا
آلاف النتائج والروابط التي تقودنا لعلم الرجل وفقهه الغزير
رحمه الله. اليوم أغوص في كتابه: "ابن حزم حياته وعصره -
آراؤه وفقهه" وأبدأ معكم من صفحة 406 (طبعة دار الفكر
العربي) في الجزء الذي كتبه الإمام عن نفي ابن حزم للقياس،
وقد اخترت هذا بالذات لأعطي لنفسي الفرصة بعد إذن الإمام
وإذنكم أن "أفش غلي" في ابن حزم الذي أحب علمه وعبقريته
وأبغض ثورته المفرطة وتهجمه في النقد على بعض الأئمة. هيا
بنا مع الإمام لأكون مثلكم تلميذا له في هذا المقال:
يبدأ الإمام بتأكيد أن ابن حزم يتكلم عن القياس كلام
المستنكر له لأنه نفى الرأي جملة وأوله القياس، وكلامه يدل
على أن المتأخرين من أصحاب الفتيا (بضم الفاء) هم الذين
قالوا: إن القياس في الشرع جائز، وهذا الكلام كما يقول
الإمام لا يخلو من غرابة إلا إذا كان يعتبر أبا حنيفة
وأصحابه، ومالكا وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ثم ابن حنبل
وأصحابه – من المتأخرين في الفتيا وليس من المتقدمين. وقد
أراد ابن حزم بذلك أن يوهم القاريء أن القياس إنما هو بدعة
بين المتأخرين، ولم يكن مسلك المتقدمين لكن الحق كما يقول
الإمام أن القياس كان قبل ذلك لأنه كان مصاحبا للاجتهاد
بالرأي ولا شك أن حماداً شيخ أبي حنيفة وإبراهيم النخعي
كانوا ممن يقيسون لأنهم كانوا يجتهدون بآرائهم.
يقرر ابن حزم أن فقهاء القياس لم يتفقوا عليه، فيقرر أن جميع
أصحاب الشافعي يعتبرون القياس فقط في حال اشتراك الأصل
والفرع في علة الحكم، ومعهم بعض الحنفية والمالكية، وأن
الآخرين من هؤلاء لا يشترطون في العلة أن تكون مشتركة بين
الأصل والفرع، بل يعتبرون الاتفاق بأي نوع من أنواع الشبه،
أي ولو لم يكن الأساس هو الاشتراك في علة الحكم.
يعلق الإمام على ذلك بقوله إن هذا في الحقيقة ليس خلافا حول
حقيقة القياس نفسه بل الكلام هو في مسالك العلة، أي طرق
استخراجها واعتبارها.
تكلم ابن حزم بعد ذلك في أقسام القياس عند من قالوا به وتكلم
في المعارضة بين القياس، وبين خبر الآحاد، أو الحديث المرسل
وآراء العلماء في ذلك وقد علق الإمام على ذلك بقوله إنه فصل
الكلام في هذا عند حديثه عن الأئمة الذين أخذوا بالقياس.
(الإمام أبو زهرة يقصد هنا الكلام في القياس ومعارضة خبر
الآحاد في كتابه عن أبي حنيفة وكتابه عن مالك وكتابه عن
الشافعي وقد أسميته كما أسماه من قبلي إماما لأنه كتب عن
الأئمة كما أن العقاد عبقري لأنه كتب عن عباقرة).
يسوق ابن حزم أدلة المثبتين للقياس ويفندها في زعمه (لاحظ يا
قارئي كلمة الإمام "في زعمه") حيث يسمي حججهم تشغيباً. بيد
أن المهم هنا كما قال الإمام هو مناقشة الأدلة التي ساقها
ابن حزم لإبطال القياس فهي التي تبين منهاجه الفقهي.
الدليل الأول من وجهة نظر ابن حزم: الله سبحانه أنزل
الشرائع، فما أمر به فهو واجب وما نهى عنه فهو حرام، ومالم
يأمر به ولم ينه عنه فهو مباح مطلق حلال والنصوص جاءت بكل ما
هو محرم، وجاءت بكل ما هو مأمور به، والباقي على أصل
الإباحة، فمن أوجب من بعد ذلك شيئاً بقياس أو غيره، فقد أتى
بما لم يأذن به الله تعالى، ومن حرم من غير النص، فقد أتى
بمالم يأذن به الله تعالى. (ما فات نص كلام ابن حزم في
كتابه: الإحكام جـ 8 ص 2.)
الدليل الثاني: أنه لا قياس في موضع النص عند القياسين،
وإنما القياس في غير موضع النص، ومن قال إنه لم يشمل النص كل
شيء، فهو يناقض قوله تعالى:" اليوم أكملت لكم دينكم..."
وقوله تعالى:"لتبين للناس ما نزل إليهم..." وقوله عليه
الصلاة والسلام في حجة الوداع :" اللهم هل بلغت...." (نفس
المصدر السابق ص 4)
والدليل الثالث: أن القياس في غير موضع النص، مبني على
الاشتراك في الوصف الذي اعتبر علة الحكم بين الأصل والنصوص
على حكمه والفرع غير المنصوص على حكمه، وإن هذا الوصف لا بد
من دليل يدل عليه، فإن كان هذا الدليل هو النص فإن الحكم في
الفرع أخذ من ذلك النص، وليس هذا قياساً، وإن لم يؤخذ من نص
ولا إجماع، فمن أي شيء عرف، إن ترك ذلك من غير بيان إشكال
وتلبيس، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين
بأن يتركوا ما تركه الرسول وما تركه رب العالمين من غير نص
على أصل ما كان عليه فقال صلى الله عليه وسلم:" دعوني ما
تركتكم، فإنما هلك......" (قارئي الكريم لم أكمل الحديث لأنك
تعرفه وأنا أحاول الاختصار قدر الإمكان لعمق مادة المقال)
وبهذا يتبين أن مالم ينص عليه فليس للعبد أن يحرمه بقياس،
ولا أن يأمر فيه بقياس، وإلا يكن ممن يزيد على شرع الله، ولم
يكن آخذا بذلك الحديث الصحيح.
الدليل الخامس: نصوص كثيرة صريحة في إبطال القياس من مثل
قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله
ورسوله." وقوله تعالى:" ولا تقف ما ليس لك به علم..." وقوله
تعالى:" والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً."
وقوله تعالى:" كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم
آياتنا......" فكل هذه النصوص (والكلام ما يزال لابن حزم)
تدل على أن لا علم في الدين إلا ما علمنا الله وكتبه ورسله
فالقياس في الدين علم ليس عن طريق الله، ولم يأذن به وهو
حينئذ من الشيطان.
الرد على ابن حزم:
إذا كانت الشريعة قد بينت كل شيء جملة فإن البيان لا يمكن أن
يكون لكل الحوادث الجزئية جزئية جزئية وعلى هذا فالبيان يكون
بالنص الصريح الذي لا اجتهاد في تعرف الحكم منه إلا باللغة
والسنة المبينة وهناك بيان آخر وهو دلالة النص وهو الذي
يحتاج استنباطا وتأملا وهو ما يقتضيه تقسيم الشافعي لدلالة
نصوص الشريعة إلى قسمين: دلالة ظاهرة لائحة، ودلالة خفية
تجيء بالاستنباط. حيث يقول الشافعي في " الرسالة" ص 477 ما
نصه:" كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه
دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه حكم اتباعُه، وإذا لم يكن
فيه بعينه طلب الدِّلالةُ على سبيل الحق فيه بالاجتهاد.
والاجتهادُ هو القياسُ." فليس القياس إذن خارجاً على حكم
النصوص بل يسير على مقتضاها. وفي الحقيقة فإن نفاة القياس
يفضلون الاستصحاب (يعني استصحاب أصل الأشياء وهو الإباحة حيث
إن الاستصحاب هو اعتماد الأصل عند انعدام الدليل الشرعي
المثبت للحكم أو النافي له) باعتباره أصلا قائما بذاته
ويؤثرونه على القياس. على كل حال نخلص من ذلك أن الظاهرية
(من يمثلهم ابن حزم) ونفاة القياس والرأي عموماً ينتهون إلى
أن وراء النصوص الاستصحاب، بينما الجمهور يرون تقديم
الاستنباط والاجتهاد على الاستصحاب. ولا شك (والكلام للإمام
أبي زهرة) أن نظر الجمهور هو الصواب الذي يجعل الشريعة
معقولة المعنى في جملتها ونصوصها، وقد نوهنا من قبل إلى أن
الأخذ بالاستصحاب جعل الظاهريين يحكمون بأن سؤر (السؤر هو ما
يتبقى من شراب أو طعام قد أكل أو شرب منه إنسان أو حيوان)
الخنزير لا ينجس الماء، بينما سؤر الكلب ينجسه، وإلى أن بول
الإنسان ينجس الماء بينما بول الكلب والخنزير لا ينجسه، وكأن
النصوص في هذا تعبدية (يعني غير معللة) لا تتجاوز موضعها،
ولا يفهم معناها ومقصدها، وذلك غريب كل الغرابة.
انتهى كلام إمامنا الشيخ أبي زهرة ولي تعليق بسيط وهو أنني
قد اختصرت كلام إمامنا قدر الإمكان خاصة وأن موضوعنا اليوم
دسم وشديد التخصص لكن نيتي تتوجه إلى لفت أنظارك يا قارئي
الكريم لقراءة أسفار إمامنا وما كتبه عن الأئمة أصحاب
المذاهب الفقهية، وهي أسفار ما أظن حسب علمي أن أحدا كتب
مثلها لا في قديم الزمان ولا حديثه. أسأل الله تعالى أن ينزل
سحائب الرحمة والرضوان على ابن حزم والإمام أبي زهرة وكل
علماء المسلمين الذين أخلصوا لدين الله.