صناعة النصر وكماشة الهزيمة .. قراءة في السطور المحظورة
...............................................................
 |
|
|
عماد المستقبل |
|
محمد فوزي عبد
الحي
..........................
عندما نجح النبي محمد عليه السلام في إطلاق مفاتيح النصر في
النفس والروح العربية مستعينا برؤية علوية منهجية في صناعة
النصر فتح الباب على مصراعيه للأمة لتتسيد أمم الأرض جميعا
في مودة غير مسبوقة وشجاعة لا تتكرر وتواضع لا مثيل له
واندماج يصعب على العناصر البشرية تصوره في ظل واقع الأخطبوط
المادي والنفعي الذي يتعبد به عالم اليوم.
لقد انطلقت على لسان محمد دعوة الأمة الواحدة الكبيرة
والحاكمة والرائدة والهادية، وهي أمة مسئولة وواعية اتخذت من
التوحيد دينا، ومن المساواة قانونا، ومن العدالة قاضيا، ومن
العلم هاديا، ووضعت أهدافها العليا على مشارف السماء بينما
هي تجوس دروب الأرض وشعوبها بروح تحلق في آفاق السمو وتتجاوز
المرني إلى المخفي والمعلوم إلى المظنون.
لقد وضع النبي ثوابت صناعة النصر، والتي تعتمد في الأساس على
تخليق أجيال من المبدعين والقادة الأكفاء، لهم رؤيتهم الخاصة
ومشاربهم الإبداعية وطموحاتهم الفائقة التي تتواكب مع أمة
ناهضة ودعوة منطلقة ورحلة أبدية نحو الرقي الإنساني الذي لا
يتوقف إلا بنيل الرقي الأبدي الكامل في دار السلام، جاء
انطلاق هذه الروح عاملا أصيلا في سيادة المسلمين للعالم
ونظرا لعمق التكوين الإيماني استمر المسلمون في قيادة العالم
بالرغم من القيادات السياسية المستبدة والوراثية والدموية
والفاشلة..
لقد كان معظم القادة والعلماء والمفكرين والفقهاء ينطلقون
نحو أداء الواجب من داخلهم خدمة للأمة الجامعة وللإنسانية
الغافلة، وإيمانا بدور الأمة الخاتمة الهادية وعملا صالحا
يقفون به أمام الله في محكمة الفصل العلوية.
بيد أن توالي المحن، وعواصف السياسة، وقتل روح الجماعة،
وإعلان الوصاية على إرادة الأمة، وتخدير الأمة بأئمة قريش
الوارثين المترفين وأشباههم من الظالمين قد هبط بالأمة من
عليائها وأنساها دروها القيادي ورايتها الموحدة، حتى كان
إلغاء الخلافة.
والحق أن الخلافة بعد عصر الراشدين لم تكن غير مؤسسة صنع
الساسة قداستها لتبرير وصايتهم على الأمة وهزيمتهم لإرادتها
وظلمهم لشعوبها وإرثهم لها ولخيراتها، ثم تمالأ الاحتلال
الغربي على تقسيم الأمة فتفرقت شعوب العرب والمسلمين تحت
رايات شعوبية وقومية وطائفية وطموحات فردية واستبدادية بدأت
مع الدور الثاني من الخلافة العباسية واستمرت إلى يوم الناس
هذا، واتخذ سدنة كل راية من غيرهم أعداء لهم ومحلا لفرض
النفوذ عليهم، وضاعت مرة أخرى شخصية الأمة بين أضراس
الاستبداد وكماشة الهزيمة الفئوية والشعوبية وطموحات
القوميين والشيعيين والعرب الصهيونيين والباقية في الطريق..
الغريب أن كل فريق ممن ساهم مباشرة في تفتيت الأمة وكان سيفه
وقلمه أساسا أصيلا في هدم بنيانها يتخذ حتى اليوم مرجعيات
دينية ويستند في ظلمه ووجوده إلى نصوص قدسية ويخترع عقائد
تصب في الطريق نفسه.
فالقوميون يتخذون من حب النبي مكة دليلا على الانتماء
الوطني، وينتحلون الحضارة الإسلامية التي صنعها المسلمون
وكان أعلامها من غير العرب فيسمونها بالحضارة العربية،
وبالرغم من أن معظم مؤلفاتها بالعربية فإن مصنفيها ومؤلفيها
وفقاءها ومحدثيها العظماء لم يكونوا من العرب وما كتبوا
بالعربية إلا حبا في الإسلام إلا إن جيل المنتحلين ينتحل
حضارة الإسلام باسم العربية ملغيا الوجود الفارسي والرومي
والبربري والهندي وسارقا إبداعاتهم ليبرر الراية القومية
والرواية الوطنية ونشيد العلم الوطني، وفي الوقت نفسه يخلق
زعامات زائفة وحدودا واهية وحذاذات لا أصل لها بين هذه
الشعوب وبين الشعب العربي الذي كان من أهم إنجازاته اندماجه
الحقيقي والشامل مع هذه الشعوب واستيعابه لها روحا ولغة
ومجتمعا وانصهاره فيها إخوة وعدالة ورحمة وما شذ عن ذلك إلا
الأميون الشعوبيون الذين أنهى الله صفحتهم ومحا دولتهم، إلا
إن أثرهم السياسي على العقيدة والشريعة لا زال يمثل مواطن
سوداء في السجل النقي للمؤسسة الفقهية والعقدية الإسلامية.
أما السارقون المغرمون بوراثة الحكم فيجعلون مِن نقد أول من
ابتدع الوراثة بدعةً عقدية وضلالا بل كفرا وردة عن الإسلام،
ولا يخفى أنه زعيمهم وقدوتهم في تضليل الأمة وتولية
المخمورين والفاسقين والخائنين، والغريب اتفاقا – وليس بغريب
واقعا - أن هذه الفئة تلتقي في ذات المقدمات والنتائج، فالذي
يثبتون عدالة في ثوب عصمة للظالمين الباغين ممن شق كلمة
الأمة (هم أيضا قد شقوها) وحارب الخليفة الشرعي (هم أيضا قد
حاربوا الخليفة الشرعي) وقتل المسلمين (هم كذلك قتلوا
المسلمين) وورث الحكم وأعلن وصايته على الأمة (هم كذلك ورثوا
الحكم وأعلنوا وصايتهم على الامة) .. أليس غريبا اليوم أن
نعلن اليوم رضا الله المطلق والمتكرر عمن فرق كلمة الأمة وشق
وحدتها وأعلن الوصاية عليها؟ الحق أنها رواسب الجاهلية
الأموية تنتحل لباس الثوابت السلطانية المستبدة باسم الإسلام
وهو في ذلك مفترى عليه!
أما الفئة المتغربة فتعادي الإسلام عداء ثأريا لا يستند إلى
قراءة ولا يتعرف على حقيقة ولا يهتدي إلى غير طريق الغرب،
وهو طريق نضج واستوى في بيئة غير بيئتنا وزمان غير زماننا،
فنهضة الغرب قامت على ذهب أفريقيا والهند والأمم المستعمرة،
ونهضة أمريكا لا تزال تشرب من دم الضعفاء والفقراء حول
العالم لتروي ظمأ المترفين وتطفيء عطش اللاهثين للثروة
واللذة والحياة!! لقد جاء الإسلام ليؤسس دولة العدالة
والمساواة فسرقه الساسة ليقيموا دولة الظلم والتمييز، فأصبح
الواجب على كل عاقل العمل من إجل أقرار دولة الإسلام وتحرير
الشعوب من دولة الظلم والتمييز، وهو ما نرى نقيضه عند معظم
مفكري اليوم ممن يدعون الحرية وهم لم يقرءوا عن الإسلام إلا
إنه يحرم الخمر ويجلد الزاني ويقطع يد السارق وقاطع الطريق،
فباتت عندهم الرحمة على المجرمين عقيدة وحماية الخائنين نبلا
ونشر الزنا واللواط حرية وتقدما.
وهم مع ذلك كله، يحملون على الإسلام تخلف السياسيين
وخياناتهم وسوءاتهم، وذلك من أعظم البلايا أن نحاكم دين الله
الملك العدل بأفعال المخطئين من مدعي النسبة إليه وهو أول
بريء من فعالهم وجرائمهم.
كان من نتيجة ذلك أن انحدرنا إلى مستوى من القيادة لا يرى
مصالح الدنيا ولا حساب الآخرة، لا يعرف ربا سيلاقيه ولا
يحترم هدفا ليعمل له، ومن هنا أصبحت أهداف الأمة تتراوح بين
كلمات فضفاضة من قبيل تحقيق السلام، وتأمين النظام، وإقرار
الأمن، بينما تتردد مروحيات التعليم والبحث العلمي واحترام
الكفاءة وتطوير المرافق ونشر قيم التقدم والتخطيط البناء
والعدالة الاجتماعية في قاعات الدرس الجامعي ونقاشات
المثقفين العميان الذين لا يؤمنون بشيء من الثوابت المهنية
فالذي تجده اليوم مفكرا قوميا متحررا تجده بعد عام يحتفل
بنجاحه من خلال التزوير، والذي تقرأ تحليلاته المتعصبة
المتشعبة والتاريخية ضد الإسلاميين ومحاكمة أفكارهم
ومصادرتهم وكأنه إله تجده تراه يصب جام غضبه على من يعلن
معارضة الاستبداد دون تحليل عادل او تقييم تاريخي أو رقمي
نزيه، فهو اليوم مفكر حر وغدا صنم متحجر، وهو اليومي قومي
وغدا تزويري، وهو اليوم باحث نزيه وغدا نفعي بذيء، حتى فقد
الناس الثقة في المثقفين واتجهوا إلى كرة القدم لعبة
الملايين حيث الحلم الكبير، وأحدث أشكال الحلم الذي يطمح
إليه شعب فقير حتى يتسنى له صناعة النصر.
إنني أختنق من الكتابة الصماء كالحجر، وأختنق من الصمت شبيه
الظلام الدامس، وأختنق من الوطن السجن، بيد أنني لا أفقد
الأمل في حرية حقيقية تليق بشعبنا الظيم، في صحوة ضمائرية
ونهضة فكرية وجيل جديد يضع مفردات النصر مرة أخرى صوب عينيه
ويقضي على معاول الهزيمة وكماشة القهر ليحرر الأمة من إرث
الأمويين وظلم العباسيين وجباة العثمانيين وسوط الإنجليز
وخيانة الخديوي وسيف الصحراويين وطموحات الأقزام المنحلين!