مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 رضاع الكبير وانحطاط العقل العربي
...............................................................

بقلم : نهرو طنطاوي
..........................

النشاط العقلي نعمة وهبها الله للإنسان ليفكر ويعقل ويتدبر وينظر ويقرأ من حوله وما حوله من أشياء وحوادث، وأولى خطوات النشاط العقلي التجرد الكامل من أي هوى أو أحكام أو ظنون أو تصورات مسبقة، والتجرد تماما كذلك من أي نتائج يكون قد وصل إليها الغير من قبل، إلا من بعد مراجعة وتفكيك وإعادة قراءة ونظر، لكن معظم من يسمون بالمفكرين العرب والكتاب العرب والمثقفين العرب في كل مرة يعقلون فيها شيئا من الأشياء أو أمرا من الأمور أو حادثة من الحوادث يؤكدون بالبرهان القاطع على إفلاسهم الفكري والعقلي والنظري، ويؤكدون ببرهان قاطع كذلك على طفولتهم الفكرية والعقلية، ويؤكدون كذلك على تبعيتهم العمياء الصماء لفكر غيرهم وعقل غيرهم، مما يؤكد يوما بعد يوم أن هؤلاء القوم ما هم إلا كائنات طفيلية تعتاش وتقتات على عقل ونظر وفكر غيرها.

وفي كثير من المواقف يثبت من يسمون بالمفكرين العرب والكتاب العرب والمثقفين العرب سواء من يكتب منهم في الشأن الديني أو غيره أنهم يعانون من عقم فكري، يجعلهم عاجزون عن إنجاب أي فكر جديد أو رؤى جديدة أو قراءة جديدة لأي شيء يعرض لهم، مما يحملهم ذلك على التسول على أفكار غيرهم، كالأغنام حين تهرول خلف كل ناعق. إن هؤلاء القوم ليس لديهم ما يقدموه للناس في عالم الفكر أو النظر أو القراءة، بل إنهم قد أثبتوا في أكثر من موقف أنهم غير جديرين بالتفكير في أي شيء وغير جديرين بقراءة أي شيء. وما أكثر الأمثلة التي يمكن أن نسوقها وندلل بها على أي درك من السفاهة والانحطاط والتبعية العمياء الصماء قد انحدر إليها العقل العربي والفكر العربي، فهناك عشرات الأمثلة بل مئات الأمثلة من مئات القضايا الفكرية التي طرحت ونوقشت في الساحة الإعلامية والفكرية العربية، والتي تكفي قضية واحدة منها أن تكون مثالا حيا ودليلا قاطعا على الانحدار الذي هوى إليه الفكر العربي والعقل العربي.

وفي هذا المقال لن نستعرض سوي قضية واحدة لنرى أين وصل فيها الفكر العربي وكيف عقلها العقل العربي إن كان للعرب فكر أو عقل، هذه القضية هي بعض الأحاديث التي تنسب إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام في إفتاءه عليه الصلاة والسلام بإرضاع الكبير في قصة سالم مولى أبي حذيفة، ولا يخفى على الجميع أن روايات إرضاع الكبير موجودة في كل كتب الأحاديث منذ قرون طويلة، ولم نسمع أو نتلوا أن قامت ضجة في يوم من الأيام طيلة الأربعة عشر قرنا الماضية حول هذه الروايات، سوى في السنوات القليلة الماضية، فهل سأل أحدكم نفسه لماذا تأخرت هذه الضجة وكل هذا الاعتراض على هذه الروايات ولم تظهر من قبل كل هذه النداءات لمحو هذه الروايات وإنكارها والحكم بزيفها وكذبها وتكذيب نسبتها إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟؟، لماذا في الآونة الأخيرة فقط تعالت أصوات بعض الكتاب الدينيين العرب، والعلمانيين العرب، واللاشيئيين العرب، وكثير من سفهاء الفكر والعقل العرب، بتكذيب نسبة هذه الروايات إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والتبرؤ منها والادعاء بأنها مدسوسة على الرسول الكريم لتشويهه عليه الصلاة والسلام والانتقاص من قدره؟؟.

فهل قام من يسمون بالمفكرين العرب على اختلاف توجهاتهم الفكرية والثقافية بقراءة هذه الروايات قراءة علمية جادة ناقدة متعقلة محايدة؟؟، وهل بالفعل حوت هذه الروايات في ظاهرها أو باطنها ما يسيء للنبي محمد عليه الصلاة والسلام كنبي ورسول، أو حتى كشخص عادي من البشر؟؟، وهل بالفعل تستحق هذه الحادثة (رضاع الكبير) كل هذا الصراخ وكل هذا الاعتراض والتكذيب والتبرؤ والتنصل والسخرية والاستهزاء والمعايرة التي ملأت صفحات الجرائد والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت في كل مكان في العالم العربي؟؟، وهل كل من خط مقالا يستنكر فيه هذه الحادثة ويسخر منها ويكذبها ويبرئ ساحة الرسول منها، هل قرأ كل الروايات، وهل فهم منها شيئا يسئ للنبي محمد عليه الصلاة والسلام؟؟.

إن الجواب على كل تلك التساؤلات لم يأت به سفهاء العرب وجهلائهم ممن يسمون بالكتاب والمفكرين الذين كتبوا عن هذه الحادثة، لم يأتوا به من قراءتهم الواعية وفهمهم العميق وعلمهم بالحادثة نفسها، كلا، ولا من التحليل العلمي العقلاني الجاد لتلك الروايات التي روت لنا هذه الحادثة، ولا من معرفتهم الفائضة بالرواة الذين نقلوا لنا هذه الحادثة، ولا من التثبت من حقيقة هل أفتى النبي محمد عليه الصلاة والسلام بهذه الفتوى أم لا، إنما الجواب الحقيقي جاءوا به من مخلفات الحرب الدائرة رحاها بين بعض المسيحيين والملحدين من جهة وبين بعض المسلمين من جهة أخرى في الساحات الإعلامية المختلفة، (التليفزيون، الجرائد، المجلات، مواقع الإنترنت). هذه الحرب الشرسة الضروس لا يستخدم فيها المقاتلون أسلحة تقليدية أو تقدمية متطورة، ولا يستخدمون فيها الأسلحة الكيماوية ولا النووية ولا الجرثومية، إنما الأسلحة المستخدمة في هذه الحرب القذرة، هي أسلحة تشويهية، حيث يقوم كل من الخصوم المتحاربين بالبحث الدءوب داخل الكتب الدينية التراثية للعدو، لالتقاط بعض الحوادث التاريخية أو بعض الروايات الدينية، وقذف العدو الخصم بها وتشويهه والحط من دينه ونبيه وإلهه، فيقوم الخصم إما بالرد بالمثل كأن يأت ببعض الحوادث التاريخية وبعض الروايات الدينية المماثلة من كتب خصمه، ليقذف بها عدوه الخصم وكأن لسان حال كل منهما يقول لخصمه إن دينك أحط من ديني، وديني أقل شرا من دينك، ونبيي أفضل خلقا من نبيك، وإلهي أكثر رحمة وتحضرا من إلهك، هذا ما يفعله بعض المقاتلين في ساحة المعركة، أما بعض الخصوم غير المشاركين في المعركة أو مكسوري الجناح من الذين سلبهم الله العقل والفهم، يقومون بسلوك طريق آخر لصد العدوان، طريق ممهد سهل لين، طريق لا جراح فيه ولا شوك ولا عثرات، هذا الطريق هو إنكار كل تلك الحوادث وتكذيبها ونبذها والتبرؤ منها، وتبرئة ساحة دينهم وإلههم ونبيهم من تلك الحوادث والروايات، بادعائهم الكاذب الباطل أن هذه الروايات مدسوسة مكذوبة دسها أعداء الدين قديما لتشويه هذا الدين وتشويه إلههم ونبيهم، وهذه هي حجتهم مع خصومهم حين يواجهونهم بمثل تلك الحوادث التي وردت في كتب الأحاديث والتراث، فتراهم يسارعون إلى النفي والتكذيب والتنصل من هذه الحوادث، ومن الروايات التي حملتها، بل ومن الرواة الذين نقلوها، وهم بذلك يظنون واهمون أنهم بهذا النفي والتكذيب والتبرؤ قد طهروا ساحتهم وتخلصوا من عدوهم وخصمهم اللدود وأفحموه وانتصروا عليه وأسكتوه إلى الأبد.

فهل بالفعل حادثة رضاع الكبير كانت بهذه الصورة البشعة وبهذه السوداوية التي رآها عليها من يسمون بالكتاب والمفكرين العرب، الذين كتبوا يهاجمون هذه الحادثة ويكذبون الروايات التي وردت فيها والرواة الذين نقلوها في كتبهم؟؟، أم أن هؤلاء القوم يعانون من عقم العقل وشح الفكر وقصر النظر، ويعانون كذلك من عمى البصر والبصيرة كما هي عادتهم؟؟، وللإجابة على هذه الأسئلة لابد لنا أن نقوم بقراءة الحادثة قراءة موضوعية مبتعدين عن المثالية المفرطة التي يروج لها بعض النصارى حول شخصية المسيح بن مريم، والتي ليس لها أي أثر في واقع أي بشر على الإطلاق، سوى في أحلام الناس وأوهامهم، هذه المثالية الكاذبة المخادعة التي خُدِعَ بها كثير ممن يسمون بالمفكرين والكتاب العرب، فجعلتهم يكذبون وينكرون من دينهم وتاريخهم وتراثهم كل ما لا يتوافق وتلك المثالية الوهمية الكاذبة المخادعة، ومبتعدين كذلك عن الشعور بالدونية والهزيمة الشعورية التي أفلح الخصم أن يوهم بها كثيرا من السفهاء وقصيري النظر ممن يسمون بالكتاب والمفكرين العرب، فهيا نتناول هذه الحادثة من الروايات المختلفة التي وردت فيها ولنرى ما هي الصورة الحقيقية لهذه الحادثة؟؟.

لقد وردت حادثة رضاع الكبير في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وسنن أبي داود، وسنن بن ماجة، ومسند أحمد بن حنبل، وموطأ مالك، وسنن الدارمي. وقد جاءت هذه الحادثة في هذه الكتب الثمانية في نحو من عشرين رواية، وتخفيفا على القارئ وتسهيلا له سأقوم بسرد هذه الحادثة بصورة تتناول كل ما ورد في الروايات العشرين بطريقة سهلة وسلسة، ثم أقوم بمناقشة هذه الحادثة بطريقة موضوعية مع مقارنتها ببعض الحوادث المشابهة من الواقع الذي نعيشه الآن، حتى نرى أين تكمن أسباب هذه الضجة التي أثارها من يسمون بالكتاب والمفكرين العرب الذين لا يفقهون شيئا ولا يهتدون، وبعدها سأذكر الروايات كاملة في نهاية المقال لمن أراد أن يطلع عليها.

# قصة رضاع الكبير كما جاءت في كتب الأحاديث:

لقد تبنى رجل من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام يدعى أبا حذيفة بن عتبة وكان ممن شهد غزوة بدر، تبنى غلاما صغيرا يدعى سالما، وكان ذلك قبل نزول تحريم التبني، وكان الناس قبل الإسلام وفي صدر الإسلام يتبنون الأطفال والشباب والرجال، فيحملون أسماء أبائهم بالتبني، ويرثون من ميراثهم، كما كان زيد بن حارثة حين تبناه النبي محمد عليه الصلاة والسلام فكان يدعى زيد بن محمد، كذلك كان سالما الذي تبناه أبو حذيفة، وكان سالم يعيش مع أبي حذيفة وزوجته في بيتهم، ولما شب سالم وصار رجلا زوجه أبو حذيفة من ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة، وظل الأمر على هذا حتى أنزل الله تحريم التبني في قوله تعالى: (ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (5_ الأحزاب). ولما نزلت هذه الآية تم رد كل شخص من هؤلاء إلى أبيه ومن لم يعلم أباه رُدَّ إلى الذين تبنوه ليس كابن، وإنما كأخ في الدين ومولى (صاحب وجار)، فجاءت سهلة بنت سهيل زوج أبا حذيفة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا لنا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، وفي رواية: وليس لنا إلا بيت واحد، وكان يراني فُضْلاً (شبه عارية)، وقد أنزل الله بما قد علمت (تحريم التبني)، وإني أرى في وجه أبي حذيفة بعض الغضب والكره من دخول سالم علي، وفي رواية إن سالم قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما يعقل الرجال، وفي رواية علم ما يعلم الرجال، وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، وفي رواية إني أرى في وجه أبي سالم الكراهية من دخول سالم علي، فقال النبي أرضعيه، قالت كيف أرضعه وهو رجل كبير؟، وفي رواية إنه ذو لحية، فتبسم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وقال: قد علمت أنه رجل كبير، وفي رواية قال: أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت فقالت إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة، وفي رواية والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا يكرهه، وفي رواية فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.

هذه هي القصة الكاملة كما وردت في الروايات العشرين، وكل كلمة ذكرتها فيما سبق ستجدونها في الروايات العشرين في نهاية المقال، حيث لا زيادة ولا نقصان في كلمة واحدة، ونناقش الآن ما ورد في هذه القصة من أحداث، لنرى ما هو الشيء المستهجن في هذه القصة، وما هو الشيء الذي دعا كثير من الحمقى والسفهاء ممن يسمون بالكتاب والمفكرين العرب لإنكار مثل هذه الحادثة وطالبوا بمحوها من كتب التراث وادعوا أنها كاذبة ومدسوسة على النبي محمد لتشويه صورته عليه الصلاة والسلام والحط من قدره، وهل بالفعل في هذه الحادثة ما يشوه صورة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ويحط من قدره، أم أن القوم قد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فهم لا يعقلون؟؟.

# مناقشة الحادثة :

أبو حذيفة تبنى سالما وهو غلام صغير، كما هي عادت العرب قبل الإسلام وأصبح يدعى سالم بن أبي حذيفة، وكان سيرث من أبيه ما يرثه الابن الأصلي، وعاش سالم مع أبوه بالتبني حذيفة وأمه بالتبني سهلة في بيتهما الذي لا يملكون غيره، وأصبح سالم ابنا لأبي حذيفة وزوجته، وكان يدخل عليهما ويبيت معهما في نفس البيت الواحد، وكان سالم يرى أمه بالتبني سهلة امرأة أبي حذيفة وهي شبه عارية على اعتبار أنه ابنها وهي أمه، وشب سالم وكبر فزوجه أبوه من بنت أخيه، على اعتبار أنها ابنة عمه، وظل الأمر على هذا حتى أنزل الله تحريم التبني في قوله تعالى: (ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (5_ الأحزاب). وامتثالا لأمر الله قام كل من تبنى شخصا برده إلى أبويه الأصليين، ومن كان منهم لا يُعْلَمُ له أبوان، يظل كما هو مع من تبنوه، ليس كابن، وإنما كأخ في الدين ومولى (أي صاحب وجار لهم)، وسالم كان من الذين لا يُعْلَمُ له أبوان، فماذا يصنع أبا حذيفة وزوجته مع سالم؟؟، هل يطردوه من بيتهما أم يظل معهما؟؟، وكانت هذه هي المشكلة الحقيقية التي واجهت كل من سهلة وزوجها أبا حذيفة، فالوضع قد تغير عن ذي قبل، فسالم في السابق كان ابنهما، وكان يدخل عليهما كما يدخل الابن على أبويه، دون إذن أو استئذان، كما هو حال كل بني آدم، لكن حين حرم الله التبني، أصبحت العلاقة بين الابن والأبوين غير ذي قبل، فأصبح الابن ليس ابنا، ولا الأب أبا، ولا الأم أما، وعلى إثر هذه العلاقة الجديدة، بدأت هناك بعض المشاعر تتغير وتتبدل، فأبو حذيفة أصبح يرى سالما رجلا أجنبيا يقيم معه هو وزوجته في بيت واحد، مما أثار في نفس أبي سالم بعض مشاعر الغيرة على زوجته، وبعض الكره للوضع الجديد، وكان يتغير وجهه امتعاضا من هذا الوضع الجديد الذي لا يجد مفرا منه ولا حلا له، فترى ماذا يصنع أبو حذيفة هل يمنع سالما من دخول بيته؟؟، أم يتركه ويظل يعاني ألم الغيرة والضيق والضجر؟؟.

فما كان من زوجة أبي حذيفة إلا أن ذهبت إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، تستشيره وتستفتيه في هذا الأمر الحرج، فقصت عليه ما كان من أمرهما هي وزوجها مع سالم، فأشار عليها النبي محمد عليه الصلاة والسلام بأن ترضعه فتحرم عليه، فاستغربت المرأة من قول النبي عليه الصلاة والسلام، مما جعلها تجيبه قائلة: أرضعه وهو رجل كبير؟؟، فرد عليها النبي عليه الصلاة والسلام قائلا: قد علمت أنه رجل كبير، فرجعت المرأة ونفذت ما أشار به عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وأرضعت سالم خمس رضعات كما ذكرت الروايات، وبهذه الرضاعة أصبح سالم ابنا حقيقيا لهما بالرضاعة، وحرم سالم عليها وحرمت سهلة عليه بهذه الرضاعة، وذهب ما يعاني منه أبو حذيفة من ضيق وغيرة وكراهية كان سببها إقامة سالم معهما في البيت.

فيا أيها الكتاب العرب يا من تدعون العقل والفكر، ما الجرم وما النقيصة وما الشذوذ في هذه القصة؟؟، أليس ما أفتى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان عين العقل وعين الفهم وعين الصواب؟؟، أليس ما أفتى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام قد أنقذ إنسانا مسلما لا أب له ولا أم ولا أسرة من أن يكون مصيره الطرد من بيت أبي حذيفة إلى حيث لا بيت يؤويه، ولا أهل يعينوه؟؟، أليس ما أفتى به النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان دلالة على فطنته عليه الصلاة والسلام وقوة إدراكه وسعة رحمته بالناس ورغبته في التيسير عليهم في حياتهم ومعاشهم وشئونهم؟؟، أليس ما أفتى به النبي عليه الصلاة والسلام هو امتثالا للقاعدة القرآنية الضرورات تبيح المحظورات؟؟، ألا تعدل رضاعة سهلة لسالم الذي كان في يوم من الأيام ابنا لها، وربته وهو غلام صغير حتى كبر وصار رجلا، ألا تعدل تلك الرضاعة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير في حال المخمصة (شدة الجوع)؟؟، ألا تعدل رضاعة سالم من أمه سهلة وهو رجل كبير الكفر بالله في حال الإكراه؟؟. أليس أكل الميتة شيء محرم وشاذ، لكنه مباح عند الضرورة؟؟، أليس ادعاء الكفر بالله حرام ومنكر وشاذ ولكنه مباح عند الإكراه؟؟، فلماذا كل هذه الضجة والصياح والسخرية والاستهزاء والشجب والاستنكار والتسفيه والتكذيب لهذه الحادثة؟؟ هل لأجل أن سالما الشاب الكبير سيضع فمه في ثدي المرأة التي كانت في يوم من الأيام تعامله على أنه ابن لها، وكان يعاملها على أنها أم له؟؟.

ألستم أنتم أيها المفكرون والكتاب العرب الذين تدعون كذبا ونفاقا ودجلا أنكم تنادون بالإصلاح الديني والتيسير على الناس، وتطالبون ليل نهار بتطبيق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وأن الواقع هو من يفرض نفسه على أحقية تطبيق النص من عدم تطبيقه، وفق ما تقتضيه مصالح الناس وظروفهم في حياتهم ومعاشهم؟؟، ألستم أنتم من تنكرون على السلفيين والمتشددين والمتعصبين دينيا عدم تساهلهم في فتواهم وعدم تيسيرهم على الناس في أوقات الضرورة؟؟، ألستم أنتم من أنكرتم على السلفيين والمتشددين والمتعصبين دينيا تحريمهم على النساء الذهاب إلى طبيب رجل للعلاج؟؟، ألا يعد ذهاب المرأة لطبيب رجل كي يعالجها أو يقوم بإجراء عملية جراحية لها، أو إجراء عملية ولادة، أو تشخيص مرض من أمراض النساء التي تصيب عنق الرحم وفرج المرأة، وغيرها من الإجراءات الطبية التي لأجل إجراءها يقوم الطبيب بكشف جسد المرأة المريضة بالكامل وكشف عورتها كذلك، ألا يعد كل هذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات؟؟، وألا يعدل كل هذا وضع سالم فمه في ثدي سهلة كي يرضع منها لتحرم عليه ويتمكن من القيام معهم في بيتهم دون التسبب في أي حرج بينه وبين سهلة وأبي حذيفة؟؟، أليس منكم من سيصطحب زوجته أو أمه أو أخته أو ابنته إلى طبيب رجل ليعالجها عند الضرورة، ليجري لها بعض الفحوصات والعمليات التي قد يكشف فيها الطبيب جسد وعورة أي منهن بالكامل إذا استدعى الأمر ذلك؟؟، فمالكم لا تصرخون ولا تعوون ولا تستنكرون أن يقوم الطبيب بإجراء الفحوصات الطبية على النساء؟؟، ولماذا لا تطالبون بمنع هذه الجريمة وازدرائها، كما عويتم وصرختم واستنكرتم ونددتم بروايات رضاع الكبير وكذبتموها وأنكرتموها وشنعتم عليها واعتبرتموها مسبة في شخص الرسول ومنقصة لقدره؟؟.

إن هؤلاء القوم في تناولهم الفكري والعقلي للأشياء والمواقف والأحداث، لا ينطلقون من قلوب سليمة نقية نظيفة، وإنما يتناولون كل الأشياء والمواقف والأحداث، انطلاقا من أفكارهم الشاذة، وقلوبهم المريضة التي طبع الله عليها بجهلهم وغيهم. وإنهم في كل مرة يثبتون ويؤكدون للناس أنهم ليسوا أهلا للعلم ولا للعقل ولا للفكر.

# أم المؤمنين عائشة وروايات رضاع الكبير:

لقد وردت بعض الروايات التي تقول أن عائشة أم المؤمنين وزوج النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كانت ترى في فتوى النبي عليه الصلاة والسلام لسهلة امرأة أبي حذيفة، أنها فتوى عامة لكل من يقع له أمر مماثلا للذي وقع لأبي حذيفة وزوجه سهلة وابنهما بالتبني سالما، وذلك أن الله قد فرض على نساء النبي محمد عليه الصلاة والسلام من دون نساء المسلمين، ألا يخاطبهم أحد من المسلمين الرجال إلا من وراء حجاب وذلك في قوله تعالى:
(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً) (53_ الأحزاب).
ولهذا الأمر الإلهي الخاص بزوجات النبي رأت السيدة عائشة أنه لو أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال لأمر ما أن تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها من كان كبيرا من الرجال، ثم يدخل عليها، إلا أن أم سلمة أم المؤمنين وزوج النبي علي الصلاة والسلام أبت هي وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل عليهن أحدا من الناس بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة لعلها كانت رخصة من النبي عليه الصلاة والسلام لسالم دون الناس. إذاً فعائشة كان ظرفها الخاص وهو الأمر الإلهي للمسلمين بمنع سؤال نساء النبي متاعا إلا من وراء حجاب، هو من دعاها للاجتهاد والقياس على ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام امرأة أبي حذيفة، وكان هذا اجتهادا شخصيا من عائشة غير ملزم لأحد سواها، اعترضت عليه أم سلمة وسائر زوجات النبي الأخريات، وسواء فعلت السيدة عائشة هذا أم لا، فهو محض اجتهاد شخصي منها وهي لم تخطئ فيه سواء أصابت في اجتهادها أم لا، وسواء استدعى الأمر فعل ذلك أم لا، فهي لم تخطئ إنما هو اجتهاد شخصي منها حرصت فيه بفهمها وإدراكها على الالتزام بأمر الله.

# فتوى الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر:

ننقل جانبا من فتوى رضاع الكبير كما نشرتها العربية نت في لقاء مع الدكتور عزت عطية، لنرى على أي أساس بنى الدكتور عزت عطية فتواه حول إرضاع الكبير، وهذا ما جاء في الفتوى:
(د.عزت عطية رد بأن إرضاع الكبير يكون لإباحة الدخول والخلوة بين رجل وامرأة ليس بينهما صلة قرابة النسب ولا صلة الرضاع في حال الصغر، ويكون الإرضاع للضرورة فقط.
وحذر من "التوسع في استخدام الضرورة فيتصور الناس أن جميع الموظفين والموظفات في العمل يجب عليهم إرضاع الكبير، لأن هذا تصور خاطئ، ولكنني أقصد أن الإرضاع يباح لمن ينفرد بزميلة في العمل داخل الغرفة المغلقة ولا يدخلها أحد إلا بإذن من أحدهما".
سألته عمن يطيل اليوم مع زميلة داخل غرفة واحدة ولا يدخل عليهما أحد إلا بإذن منهما، فقال إن هذه خلوة محرمة شرعا، وعليك أن ترضع منها حتى تختلي بها بهذا الشكل المحرم، موضحا أن الخلوة تتحقق بإغلاق باب الحجرة علي رجل وامرأة، وعدم إمكانية رؤية من بداخل المكان.
وأكد أن الإرضاع يكون بالتقام الثدي مباشرة وذلك لأن سالم الذي رضع كان كبيرا وله لحية، والحديث صحيح ومن يعترض عليه فيكون اعتراضه علي رسول الله.
وحول القول بأن الواقعة التي تحدث عنها مرتبطة بزمان ومكان وعصر غير الذي نعيش فيه والفتوى تتغير بتغير العصور والأزمة، قال إن أحكام الإسلام ترتبط بذات الإنسان عبر الأزمان والأماكن، وذات الإنسان لم تتغير منذ وجد على ظهر الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأضاف: من أرذل الرذائل استقباح أو النفور من أمر يسر الرسول صلي الله عليه وسلم على الأمة به بدعوى المدنية أو بدعوى الحرص على الحرمات أكثر منه أو من الإسلام، فالله أدرى بمصالح عباده، والشرع إلزام بما ألزم الله به لا بما يريده الناس لأهوائهم.) انتهى

مما سبق نرى أن فتوى الدكتور عزت عطية بإرضاع الكبير للموظفين الذين يجلسون في غرف مغلقة لساعات طويلة أثناء العمل، كانت بدعوى الخلوة غير الشرعية بين الموظف والموظفة.
وأكاد أجزم والله أعلم، أن هذا الرجل لم يصرح بهذه الفتوى للموظفين والموظفات إلا لأمر من اثنين، الأول: أن يكون هذا الرجل من الجهل بمكان ليفتي بما أفتى به وهذه هي عادة الأزهريين، يصمتون دهرا ليقولون كفراً. الأمر الثاني: أن هذا الرجل يبحث عن شيء يشهره ويجلسه في الرحاب الطاهرة حيث تجلس السيدة هالة سرحان، فلم يجد هذا الرجل ما يحقق به ما يتوق إليه سوى هذه الفتوى التي يفقع منها الجهل وسوء الفهم وعمى البصر والبصيرة، فالكذبة الكبرى التي أسس عليها الدكتور عزت عطية فتواه كانت (الخلوة الشرعية والخلوة غير الشرعية)، وهذه الكذبة ليس لها أي سند في كتاب الله ولا حتى في أحاديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، سوى حديث: (ما اختلى رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وسند هذا الحديث كما يعلم المتخصصون في علم الحديث، أنه من الأسانيد الواهية جداً وضعفه الكثير من علماء الإسناد، ناهيك عن أن لفظ الحديث لا يحرم الخلوة بين الرجل والمرأة على الإطلاق، الحديث لو صح عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لا يحرم إطلاقا الخلوة بين الرجل والمرأة في أي مكان، وإنما فقط يلفت الانتباه إلى أن الخلوة بين الرجل والمرأة يحضرها الشيطان وحسب، ولم يقل نص الحديث أن وجود الشيطان سيفرض وقوع ما هو سيئ حتما، فهذا ما لم يأت في نص الحديث قط، وكذلك لم يأت في نص الحديث أن مجرد حضور الشيطان يحرم الخلوة، فقد يختلي رجل وامرأة على أمر لم تحدثهما أنفسهما بسوء فهل تحرم الخلوة إذاً؟؟، مع العلم أن الشيطان متواجد بصفة دائمة مع الإنسان في كل مكان حتى في المسجد، فهل وجود الشيطان مع الإنسان في أي مكان يحتم على الإنسان فعل السوء وارتكاب الخطيئة؟؟، أم أن الأمر متوقف على إيمان كل من الرجل والمرأة وورعهما وتقواهما، سواء تواجدا في خلوة أو في ملأ من الناس؟؟.

لقد أخطأ الدكتور عزت عطية حين ربط بين الكذبة المختلقة التي تسمى (الخلوة الشرعية والخلوة غير الشرعية) وبين حادثة سالم وأمه بالتبني سهلة امرأة أبي حذيفة، فالفارق كبير، والبون شاسع، بل لا وجه للمقارنة بين الأمرين، أما فتوى الرسول لسهلة امرأة أبي حذيفة بإرضاع سالم فكانت لأمر إنساني تغلفه الرحمة والشفقة على هذا الإنسان الذي لا بيت له ولا أسرة ولا أهل، وليصبح ولدا حقيقيا طبيعيا من الرضاعة لأبي حذيفة وزوجه سهلة، وهما اللذان تبنياه وربياه صغيرا، فسالم كان ابنا حقيقيا لهما قبل تحريم التبني بسنوات، وما حدث ما حدث لولا تحريم التبني، ولم تكن فتوى الرسول هذه لحرمة الخلوة بين سالم وامرأة أبي حذيفة، ثم أين ظروف حادثة سالم وسهلة وأبي حذيفة، من تواجد الموظف مع الموظفة في مكان العمل.

وقد أخطأ الدكتور عزت عطية كذلك حين قارن وربط بين تواجد الرجل والمرأة في العمل وبين ما اجتهدت فيه عائشة من أجل خصوصية موقفها، فعائشة نزل بشأنها وجميع زوجات النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، نص قرآني يمنع أحدا من الرجال سؤالهم شيئا إلا من وراء حجاب، وهذا ما يعلمه الدكتور عزت عطية جيدا، ولكن يبدو أن ما كان يصبو إليه الدكتور عزت عطية قد حال بينه وبين فهم النصوص فهما صحيحا، فلا لوم على الدكتور عزت عطية، فهذه هي حال معظم الكتاب والمفكرين العرب الكبار الأفذاذ.

وصدق من قال: (كم من قول صحيح آفته من الفهم السقيم)
ولله الأمر من قبل ومن بعد
وإنا لله وإنا إليه راجعون

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................