مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 محمد الحسينى - موت العاشق القديم
...............................................................

 

موسيقى الشعر

 

د/ صلاح السروى
....................


"وشوشة دية ولا خطوة لقدام ؟ دا غرام وما يفهموش الا العشاق القدام " ( ونس ص13)غادر عالمنا شاعر العامية المصرية المبرز محمد الحسينى , عن عمر ناهز الحادية والخمسين , بعد مرض لم يستمر طويلا فى الكبد , وهو فى قمة عطائه ونضجه الفنى والفكرى , ليترك فراغا هائلا فى الساحة الثقافية المصرية والعربية : شعريا و ثقافيا وانسانيا . لقد كان الحسينى ملح المنتديات الأدبية , فكان متواجدا فى كل مكان , منشدا للشعر , أو راويا لنكتة , أو مرشحا لانتخابات , أو نديما فى سهرة , أو مسافرا فى مؤتمر , أو جليسا فى مقهى . كان حياة متنقلة تبث الحيوية والحكمة والنزق والسخرية والجدعنة .مؤمنا بذاته وشعره , مدافعا عن العامية دفاع المطمئن الواثق المجاهر بأن وراءه فؤاد حداد و صلاح جاهين وسيد حجاب . كان من تلك القبيلة التى نذرت نفسها للشعر والوطن والحياة والشارع بالطول والعرض . عشق أصدقاءه و الناس والكتابة والنساء , وقال فيهم جميعا شعره , لكن ظللت كل قصائده غلالة من الكبرياء والحزن الدفين , والبحث الحثيث عن الدفء والحنان "والونس" :

الراجل الطيب
الوسيم الشهم
الراجل الشامخ العزم
الراجل الصبى
فى زى كهل
الراجل الأهل
أبوية اللى خلفنى
لاعرف يربينى
ولا عرف يروضنى
فقرر انه ينتقم منى
ومات قبلى (ونس ص5 )

انه الموت الذى خايل محمد الحسينى طوال حياته القصيرة , فكان موت والده الذى أشعره , ربما لأول مرة , بمقدار بشاعة الموت وعنفه الصادم المؤلم , الذى يقف مترصدا لكل خطوة يخطوها , فقرر التصالح معه وانتظاره , بل ومحبته , وأكاد أقول , استعجاله . فوصف جسده بعد الموت , وكيف أنه قد تم اهماله ولم يلتفت اليه أحد , ولكن دون أن يقع فى الميلودرامية ورثاء الذات , بل قارب موته بحياد يظلله أسى شفيف وعتاب ساخر :

قاعد
وبالعب فى صوابع جثتى
جثتى اللى كان طولها 191 سنتى
واللى كشت
بفعل ركنتها فى التلاجة
جثتى اللى ماحدش خد باله منها
من تلاتيام
واللى كان الناس بيحسدونى على طولها
وطريقة مشيتها (صندوق الحزن ص95)

ان هذا الانفصال عن جثته والحديث الساخرعن طولها المبالغ فيه وعن مشيته المميزة ليشى بأن الشاعر قد تصالح مع هذه الوضعية الجديدة , وأخذ يتعامل معها باعتبارها واحدة من الحقائق المجسدة لمعنى الوجود , فالوجود عنده أكبر من مجرد الحيا ة وأقوى منها . ولذلك فانه يواصل رحلة الموت غير هياب ولا وجل , فقط , بعتاب ,بعض أسى . فوصف جنازته , وعتب على أصدقائه والناس الذين تقاعسوا عن السير فيها , فهل كانوا ينتظرون من يدعوهم اليها ؟ انها الحضور الوحيد الذى لايجتاج الى دعوة , ولكنه كعادته يحول الأمر برمته الى سخرية مرة ,لاتحفل الا بالوجود , الوجود الحى , رغم الفناء , ووحشة الافتقاد :

قاعد دلوقتى باتفرج عليها
ومستنى حد يشرح لى
ايه اللى حصل
وليه الناس ماجتشى تحتفل بجنازتى
مع انهم
فهمونى
ان الناس بتيجى العزا بدون دعوة
قاعد وحاطط ايدى على خدى
يمكن حد يفتكرنى (صندوق الحزن ص96)

فغدا الحسينى بذلك واحدا من الحكماء المتأملين الباحثين فى فكرة الموت , فرثوا أنفسهم فى حياتهم قبل أن يرثيهم الأحياء بعد موتهم . ولكن ليس قنوطا من الحياة وهجاء لها , كما فعل المازنى , ولا أسفا على الدنيا ورغبة فى فراقها , كما فعل أحمد زكى أبو شادى , ولا ذكرا لمحامد نفسه واعلاء من شأن ذاته , كما فعل مالك بن الريب , بل تحديا للموت ومغالبة له وكأنه ينظر فى عينه دون هيبة ولا خشية , مراهنا على أنه أقوى منه , وأقدر على البقاء رغما عنه .... فقط هو يحتاج بعضا قليلا من الاحتفاء الذى كان يشعر أنه , ربما , لن يستطيع الظفر به .

ولد محمد الحسينى بالفيوم عام 1957, ودرس الخدمة الاجتماعية , حيث كان ناشطا طلابيا تقلد رئاسة اتحاد الطلاب لعدة دورات متتالية , ثم ناشطا ثقافيا قدم للساحة الثقافية المصرية والعربية جهدا ثقافيا ضخما , سواء بكونه شاعرا مهما ,أو بكونه واحدا من أهم الوجوه الثقافية التى ملأت الواقع وأثرته بالتواجد الفعال فى مواقع الفعل الثقافى المتعددة , كالأتيليه واتحاد الكتاب ومؤتمرات الأقاليم , وأخيرا , بكونه ناشرا نشطا ذا وعى ثقافى نافذ , قدم العديد من أهم المبدعين والنقاد والمفكرين , فى مصر والمنطقة العربية , منهم د / عمار على حسن ,و ظبية خميس , وعبدالعال الحمامصى , و صفاء عبدالمنعم , ومحمد الراوى , و حزين عمر .... وغيرهم كثيرين , وأعاد تقديم طه حسين فى كتابه النادر عن الديمقراطية , ونشر نصا شعريا مكتشفا لتوفيق الحكيم ....الخ

غير أن الانجاز الحقيقى لمحمد الحسينى يكمن فى شعره , فلقد بدأ الكتابة فى نهاية الثمانينيات , فقدم ديوانه الأول "عباد الضل" عام 1989 , ثم ديوان " ونس" عام 1999, ثم ديوان "صندوق الحزن" عام 2004, وأخيرا ديوان "مس الكلام" عام 2005 . و له مسرحية شعرية بعنوان "حورى" و كتاب بعنوان "غرفة السر" , جمع فيه عدة مقالات كتبها عن أعلام مجمع اللغة العربية .

ويتميز شعر الحسينى بجرأة الخيال , وجسارة التصوير والنزق اللغوى والميل الواضح نحو التفلسف والتأمل فى قضايا الوجود والحياة والموت ,

"عدلتك على القبلة
نمت جوايا
فى مرايه فضة
ومرايه مفيش
زغللت عينيك عيون الحرافيش
يا هلترى تمشى ؟
ولا أتغطى " (عباد الضل ) ص40.

حيث نلاحظ الوعى الباكر بانقسام الذات وتناقض نوازعها , والميل القديم الى الانتماء للبسطاء وعامة الناس , كما تبرزالايقاعية المراوغة للمعنى عنده التى تبرز فى أنواع المرايا التى يمكن أن ينام ميتا (فيها ) ذلك القرين المشاغب , ثم رغبته الحارقة فى الحياه التى يمثلها الحرافيش الذين يحيون , حسب منطق القصيدة , حقيقة الحياة وجوهرها , ثم يأتى السؤال الأخير ليطرح الأسى الدفين المختلط برغبة لاتقاوم فى الحياة لدى ذاته الواعية , فهل ستنطلق للحياة ايها الكائن بداخلى أم أنتظر الموت . حيث تأتى عبارة "ولا أتغطى" مستفيدة وموظفة لمساق دلالى شعبى يكنى عن الموت بالتغطية والعويل . ولعل من اللافت للنظر هنا قوة الصورة المنبعثة من تلك المزاوجة بين الذات القائمة وممكناتها الأخرى , بين الذات ومراياها المتعددة , فى خيال رؤيوى يقوم على الاستبطان والعروج الصوفى , ممتزجا بنزوع شعبى ساخر يصطنع اللامبالاة وانعدام الأهمية . وهو الأمر الذى يتطور بقوة فى ديوانه التالى "ونس " الذى صدر بعد عشر سنوات , اذ يقول :

"قطعت الكهربا
وبقيت لوحديه
أنا والعتمة
والعشم القديم
حضرنا قمر مكتمل ونجمتين
أنا والعتمة شبكنا بعضنا
وسرحنا بلا جسد
قطعت الكهربا / فلتبتعد
أنا والعتمة وعرينا ع التراب
رجعت الكهربا فجأة
هربت العتمة مننا وسابتنا للخراب" .( ونس ص34)

فالعتمة هنا تتشكل عالما سديميا يشبه الوجود البدئى الأول , ورغم الظلمة فانه عالم حميم ودافىء دفء العشم القديم , ينفتح فيه الخيال على مصراعيه , ففى العتمة يمكن أن تظهر الأقمار والأنجم , فيعود الوجود الى رومانتيكيته وهدوئه المفتقد الذى يصنع ألقه المطمور ويبرز معناه الخفى الحقيقى . انه نزوع صوفى أصيل عند الحسينى , ممزوج بروح طفولية وثابة , تحن الى البراءات الأولى وعالم البدايات الجميل , لعله يذكرنا بصلاح عبد الصبور عندما قال:
"أعطيك ما أعطتنى الدنيا
من التجريب والمهارة
لقاء يوم واحد من البكارة "

ان هذا الحنين الى الطفولة سيزداد الحاحا فى شعر محمد الحسينى التالى , وهى الطفولة التى تبرز من خلال النزوع الى اللعب بالألفاظ والميل الى المشاكسة والمشاغبة , ولكنها المشاغبة العميقة النفاذة الى أسئلة الوجود الكبرى والمغلفة بأسى شفيف ونزعة رثائية دفينة فيقول :

واحد قام من نومه
ما لاقاش فى الدنيا حياة
طبق كوابيسه
وتاه
لون حلمه وسماه
خلاه
بيزق ف خلق الله . ( صندوق الحزن ص11 )

حيث يبقى الخيال والحلم دائما نقيضا للوجود المعاش , ولكن رغم ذلك هناك دائما هذه الروح الوثابة , التى وان قبلت الحياة على مضض فانها ستعيشها رغما عن أى شىء حتى وان لم تكن هناك حياة من الاساس انها (المعافرة) التى لاتخلو من طيبة وشقاوة محببة وجمال فى ذات الآن . ونلاحظ هنا استمرار ذلك الخيال الوثاب , والصورة الطازجة , الخارجة توا من القريحة , والمنتمية رأسا للعالم الذى عشقه الشاعر و انتمى اليه - عالم الحرافيش وأبناء الحياة اليومية . انه ذلك العالم الذى يعده مخزنا للخبرة والمعرفة الحقة , معرفة الأعماق والأغوار التى تجعله يرى ما لا يراه الآخرون , يقول :

فيه قمر
وفيه نجوم
فيه سحابة فى عينها نوم
فيه كائنات جواك بتمشى
وفيه ضوء سابق العتمة
لحد الجنون . (مس الكلام ص84 )

فصراع القمر والنجوم من ناحية والسحابة الناعسة , من ناحية أخرى هو الذى يمكن أن يؤدى , على مستوى الرؤية البصرية الواقعية , الى تصور أن هناك عوالم من الكائنات التى يمكن أن تكون خرافية أو تشبه الحقيقية التى نعرفها , أما أن تكون هذه الكائنات بداخل الذات الشاعرة فهذا هو الانتقال الذى ينم عن توحد ومطابقة بين الذات والعالم بين الفرد والوجود , بما يسمح بالرؤية الكلية الشاملة القادرة على استخلاص المعنى ورؤية المكنون , الذى يأتى فى السطرين التاليين : "فيه ضوء سابق العتمة / لحد الجنون " , فهذا المظهر الخارجى البسيط والأولى يمثل مدخلا بالغ القوة وآلية فعالة لممارسة التأويل البازخ الذى يتقنه الحسينى , مازجا اياه بخيال وثاب مطلق السراح .. " لحد الجنون" .

وفى نهاية القصيدة يصل الى المقطع التالى :

فيه
وفيه / انما
مافيش حد شايف كل ده (ص85)

فتصبح "الرؤية – الشوف " هى القضية , بالنسبة للحسينى وهى الهدف . الى جانب منحى المشاغبة وروح الهجاء الحنون لضعف وبؤس الانسان . ومن جديد نقابل صراع الضوء والعتمة , صراع الحياة وشبيه الحياة , لكن دائما هناك هاجس الكشف والمعرفة الجوانية , هناك دائما الصورة المنفلتة من كل عقال , المتأبية على الاندراج تحت الجاهز والمطروق , والتى لاتحفل بأية قواعد , أوتكريسات جمالية , أو وصفات نقدية , لقد قدم الحسينى شعريته الخاصة ذات الصوت المميز للغاية .. بذات المعاناة مع الوجود والحنين للدفء .. وللحنان ..ولروعة لاكتشاف والوصول الى الاعماق :
الفجر شبه المغيب
يغيب ولا يسمعها
مع انه كان آية
مش عارف الحزن قاعد فى ريحى
ولا جوايا
(صندوق الحزن ص31)

رحمك الله يا حسينى .. لقد كنت شاعرا حقيقيا وانسانا أكثر من جميل .
 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................