مورفولوجيا الضعف: القصة عند يوسف أبورية
...............................................................
 |
|
|
يوسف أبو رية |
|
د . صلاح السروى
....................
لقد نسج يوسف أبو
رية أعماله القصصية والروائية من خيوط الحياة اليومية , بما
تشتمل عليه من أناس بسطاء , وشخوص اعتياديين تستبد بهم نزعات
طبيعية تلقائية , دون ادعاء للبطولة أوالمثالية أوالاختلاف ,
ودون ادانة , كذلك . شخصيات يمكن للمرء أن يشعر بأنهم يعيشون
معه , ويحس بوجودهم الدائم فى حياته , بخيرهم وشرهم , وقوتهم
وضعفهم . انها تلك الخلطة التى برع فيها يوسف أبو رية ,
وجعلت من أبطاله نماذج انسانية حقيقية , تراهم يحيون أمامك ,
بما هم عليه فعليا , لا بما ينبغى أن يكونوا عليه تصوريا ,
مما يجعل المرء يتضامن معهم ويتعاطف مع ضعفهم . خاصة عندما
يتم تصويرهم فى ممارساتهم اليومية الأكثر حميمية واعتيادية ,
فى ذلك المكان الشعبى الريفى , أوالمدنى الذى يقبع على تخوم
الريف , حيث الوجود الاجتماعى الأكثرشيوعا وواقعية و كثافة .
حيث تبرز البيوت البسيطة الفقيرة , والشوارع المتربة ,
والأراضى الزراعية , والزرائب , والغيطان , والقمائن ,
والطواحين , والمقابر.. الخ باعتبارها المفردات المكانية
الممثلة لمكونات هذا العالم .
كما أن الزمن الذى تتحرك فيه أحداثه هو تلك اللحظة الزمنية
الحاضرة , السبعينية ومابعدها . حيث ينساب السرد فى ايقاع
يشبه الشلال المتدفق من الأحداث التى يأخذ بعضها بخناق بعض ,
من خلال الاستخدام الكثيف لحروف العطف , بما يطرح ديمومة
تكاد تبدو لانهائية فى امتدادها وتراميها . فهو يطرح عالما
ينساب بالحياة الضاجة الصاخبة والمكتنفة لكل عناصر الوجود
الانسانى وتفاصيله , التى تبدو جميعها على ذات القدر من
الأهمية , مهما بلغت هامشيتها وضآلتها . بما يشكل من عالمه
وجودا خاليا من الفراغات , ومـألوفا وحيويا وطازجا الى أقصى
درجة , بما يكاد يشبه اللوحات الشعبية لصلاح عنانى , وان كان
– فى الأغلب - على نحو أكثر ريفية وطبيعية.
الا أن عبقرية يوسف أبو رية تكمن – الى جانب قدرته على بناء
هذا العالم الفسيفسائى - فى قدرته , كذلك, على استخراج
الدهشة من هذا المألوف , واستنتاج المعنى الكامن تحت هذا
الركام الكثيف المترامى . حيث يعمد الى اقتناص أكثر اللحظات
انسانية وضعفا , مثل لحظات الموت , والطفولة , والعنوسة ,
والهوى الجنسى , والرغبة المجهضة فى الاستمتاع بالحياة ...
الخ . بما يكاد يمثل دراسة مورفولوجية تفصيلية فى عوالم هذا
الضعف وآلياته وتجلياته المختلفة . فى سرد يعمد الى
التلقائية والبساطة , دون ميل من أى نوع الى الحذلقة أو
الافتعال , وكذلك , دون أى ميل الى الميلودرامية الزاعقة ,
أو الطهرانية المدعاة . انها الحياة كما هى , دون تزويق أو
تقبيح .. الحياة من وجهة نظر من يحيونها , لا من وجهة نظرمن
يقرأون عنها .
وسوف أركز فى هذه الورقة المتعجلة على دراسة " الموت "
باعتباره احدى الثيمات الأكثر تمثيلا للضعف الانسانى والاكثر
تكرارا فى قص يسف أبو رية .
لقد برزت هذه الموضوعة عنده منذ مجموعته الأولى : " الضحى
العالى " (دارشهدى 1985) , و تواصلت على مدار أعماله القصصية
والروائية حتى آخر أعماله : رواية "صمت الطواحين" (دار عين
2006 )
, حيث يمكننا أن نلحظ تنويعتين رئيسيتين غالبا ما تأتى
عليهما أطروحة الموت تلك , الأولى : هى ما يمكن تسميته ب
.."الموت باعتباره نهاية للسرد " وهى التى تمثلها أصدق تمثيل
قصة "الضحى العالى" , فى المجموعة المعنونة بذات العنوان ,
والتى سبق ذكرها , أما الثانية : فهى التى يمكن تسميتها ب..
" الموت باعتباره سياقا للسرد " , وهو ما نجد تمثيله فى قصة
" يوم للدود " , فى مجموعة "وش الفجر" (هيئة الكتاب 1993) .
والفارق بين كلا المنحيين يكمن فى أن المنحى الأول يأتى
الموت فيه ممثلا لنهاية تشبه الاحتجاج , أو الاستقالة من
الحياة , بما يمكن أن يطرح معنى المكابدة , وأنه لم يعد هناك
ما يمكن البقاء من أجله , فيصبح الموت هو النهاية الضرورية .
أما الثانى فيأتى فيه الموت باعتباره حالة يومية يجرى
التعايش والتفاعل معها والحياة فى ظلها وتحت وطأتها , ومن ثم
تطرح ظلالها الدلالية الخاصة والمحددة على هذه الحياة , بما
يصبغ الرؤية الكلية للعمل بصبغة ذات ملامح نفسية وروحية
يظللها الأسى والكمد وان لم يتم الافصاح عن ذلك صراحة . وسوف
أقوم بتحليل هذين المنحيين فيما يلى :
الموت نهاية السرد
فىقصة " الضحى العالى " نواجه للوهلة الأولى بأن شخصا يروى
عن " الحاج " الذى سنعرف كنيته تلك فيما بعد , لمروى عليه ,
هو أسماء حفيدة هذا الحاج , بما يشبه الرثاء , أو التذكير
بالأمجاد , فى بناء قريب من بناء السيرة فى خطيته وتراتبه
الزمنى الطبيعى . تبدأ القصة بالعبارة التالية :
" حضر معنا عرس أبيك, كنا قد صلينا العصر , وخرجنا من الجامع
الى دار العروس , وصعد معنا السلم المرتفع , جلست بين أصحابى
, وجلس هو هناك بين الكبار حول المأذون , وخرج فى الصورة مع
العريس ضاحكا فرحا , وفى الصورة الأخرى كان يجلس قرب الدولاب
, فالتقطت الصورة جانب وجهه فى المرآة " .(ص65)
حيث نلاحظ الأداء الاسترجاعي الذى يشى به هذا الاستهلال ,
بما يوحى بأن المروى عنه لم يعد موجودا , وأن ما يحدث هو
محاولة بعث الذكرى التى تركها . ان من يقوم بذلك – فى الأغلب
- هو العم الذى يحكى لابنة أخيه عن جدها – أبيه الذى رحل ,
بما يجعلنا فى مواجهة فكرة الموت منذ اللحظة الأولى , وهى
تلك الفكرة التى توازيها فكرة الأجيال , المتمثلة فى وجود
الطفلة والعم الراوى, بما يعنى استمرارية الحياة وتدفقها ,
وهو الأمر الذى يخفف , الى حد كبيرمن حدة الحزن وآلام الفقد
, ومن ثم , يصبح الموت أمرا اعتياديا يمكن تقبله فى اطار
مبدأ استمرارية الحياة .
وتستمر القصة فى سرد " صور" من حياة ذلك الرجل ,(سواء
بالمعنى الحقيقى أو المجازى): " وفى دارنا , لما جاءت أمك فى
السيارة الصاخبة , رفعها أبوك بين يديه , وأدخلها فى زحام
الناس الى الصالون , فاستدعوه من الصالة والتقطت له الصورة
بين أصحاب العرس " .(ص65)
ان هيمنة أجواء الفرح هنا تعزز ما أشرت اليه من محاولة
التخفيف من فجائعية الموت , بل طرحه باعتباره أمرا اعتياديا
وليس غريبا على أى نحو , فما ذهب قد ذهب , وتبقى الحياة
لنحياها . بل لا بأس من بعض السخرية من الفراسة المدعاة عند
هذا الجد (العادى) ( رغم البناء السيرى الذى يمكن أن يشى
بمعنى البطولة الملحمية , الذى أشرت اليه منذ قليل )...
تواصل القصة ..."هذا هو جدك يا أسماء , الذى أشار الى بطن
أمك بعد خمسة شهور من زفافها وقال : ولد ان شاء الله . ضحكت
أمك وقالت أسميه باسمك " . (ص66) انه هذا المنحى الذى يطرح
الموت دون جلال ودون وجل . حيث سنجد بعد ذلك معاناة هذا
الرجل البائس مع زوجه التى تعامله بازدراء واهمال ودون ما هو
معروف عن الواقع الريفى من اجلال "للرجل" وتوقير له , فهو
لايجد بعد عودته من صلاة الفجر من يجهز له الطعام لأن زوجه
تتمارض عليه ولا تريد الاستيقاظ , كما أن زوجة ابنه ( ام
أسماء ) لا يمكنها خدمته فى حال وجود زوجها – ابنه الذى
لايتورع عن سبه اذا أزعج نومه - فى المنزل , وهو الأمر الذى
يضطره الى التخبط فى غياهب المطبخ الذى لايعرف تفاصيله .
انها تلك اللحظة التى يمكننا فيها القول بأن هذا الرجل قد
فقد سطوته وهيبته السابقة , وقد هان أمره على الجميع .. "
هذه يا أسماء عادة جدك من زمان , كانت جدتك تعد له افطاره ثم
عماتك قبل زواجهن , وهاهى أمك تقوم بواجبها , ولكن أباك
أمرها : طالما أنا فى أجازة لاتلتفتى لغيرى " (ص68) , وكأن
السارد أراد أن يقول أنه لم يعد له من مسوغ أو من امكانية
للاستمرار والبقاء , فلم يعد أمامه الا الانسحاب... " انسحب
الجد الى حجرته , وقعد على كنبته , ساندا رأسه على كفه ,
لايجيب " (ص 68) . وستزداد وطأة الحياة على هذا الرجل البائس
عندما يأتيه خطاب من جهة ادارية تحتم عليه غلق الطاحونة التى
يملكها لأن الشروط الصحية لم تعد متوافرة بها , وهنا يجد
نفسه فى أزمات جديدة مع الجهات الادارية والاضطرار الى
السفروالبهدلة , الى أن ينتهى الى تفاهم يقتضى منه بناء سور
حول الطاحونة لحماية منازل الجيران , غير أننا نلاحظ تدهور
صحته التدريجى والمتوازى مع عملية بناء سور الطاحونة , وبعد
الانتهاء مباشرة يأخذ فى الاحتضار , ومن ثم , يسلم الروح ..
تقول القصة :
"وما ان تفجر نور الشمس الذى سقط على زجاج النافذة , حتى
تجمع الرجال خارج الدار , ووقف النعش على الباب , ينتظر الجد
الذى حمل على الأكتاف لتفرغ حجرته من وجوده المهيب , ولتنتهى
صلاة الفجر , وليبدأ اليوم التالى من الضحى العالى "(ص75)
ولعلنا نلاحظ صفة "وجوده المهيب" فهى تبدو كما لو كانت تريد
قول العكس منها تماما . لكن الأهم الآن الالتفات الى الدلالة
المتعدية للطاحونة التى يمكن أن تمثل ترميزا للرجل نفسه ,
فمشكلة الطاحونة تتمثل فى أن البيوت قد زحفت عليها بما يكاد
يخنقها , وكذلك مشكلة الرجل تتمثل فى أن بيته قد ازدحم
بالأولاد الذين كبروا , وأخذوا ينازعونه النفوذ , وهو الذى
يضعف , بينما هم يقوون مع الزمن , بما أفقده سطوته السابقة .
وفى الوقت الذى يتحتم عليه انقاذ الطاحونة المختنقة يتعذر
عليه انقاذ نفسه ومن هنا يصبح موته ضروريا وحتميا .
هكذا يتم طرح الموت باعتباره جزءا من صيرورة طبيعية وحتمية ,
ذات طبع نثرى ويومى تماما., ويكاد يمثل صفحة لابد من طيها
والانتهاء منها , فى حياد نفسى وروحى واضح . فهل هو كذلك
فعلا ؟ ان روح الأسى الدفين التى تطرحها القصة هنا لاتنتج عن
أسلوبية السرد الذى يبدو رسميا ومفتعلا وتعليميا , كما جاء
على لسان العم , وانما الأسى ينبع من الصيرورة نفسها والتحول
نفسه , دون أن يقول المؤلف كلمة واحدة أو يشى بتعمده
الانحياز الى مرمى محدد من سرده . وكأنه يود القول بأن
الحياة – للغرابة – سوف تستمر وكأن شيئا لم يكن , فهاهو
اليوم التالى سوف يبدأ وان كان متأخرا قليلا ( فى الضحى
العالى ), بل ربما يتحمل هذا البائس مسؤلية تأخيرتلك البداية
لليوم الجديد . فبدلا من أن يبدأ فى الفجر , اذا به يبدأ فى
الضحى العالى , وهو وقت متأخر جدا لبداية اليوم بالنسبة
للفلاح . وهنا تبرز السخرية المرة من تقبل فكرة الموت من قبل
ذوى هذا العجوز البائس .
الموت سياق السرد
فى قصة " يوم للدود" من مجموعة " وش الفجر" يواصل يوسف
أبورية رحلته مع الموت , وان بطريقة أخرى مفادها أن الموت ,
الذى هو قرين الحياة , وربما , مبررها , هو أيضا نقيض هذه
الحياة ومعوقها . ومن ثم تصبح السخرية منه و الهزؤ به
ومحاولة التغلب عليه أمرا منطقيا .
تعنون القصة فقراتها بأجزاء النهار المختلفة : الصبح - الظهر
– المغرب , وهى اجزاء يوم فى حياة صبى ريفى يعمل فى تنقية
القطن من الدود , فهل سيقتصر الدود على القطن فقط ؟ وهل
ستقتصر معاناة الفتى على المعاناة مع دود القطن فقط , أم
سيتتابع يومه مرتبطا بذات الحشرة المقرفة ؟ فى "الصبح "
(هكذا تنطقها القصة محافظة على دلالتها الشعبية العامية
المفعمة ).... " كانت الشمس تتقد برؤوسنا حينما رأينا المهرة
تنشق عن كتلة الغبار البعيدة , قطعت البنات الغناء بعد اذ
دارت عصا العجوز الطويلة اللينة على ظهورنا وأفخاذنا . صرنا
صفا من الظهور المحنية المرعوبة , تبحث عيوننا – بعناية – عن
الورقات المصابة ". (مجموعة وش الفجر ص27) . فهاهو الصباح
يبدأ بالقهر والألم فى سبيل جمع الدود حيث يبرز بوضوح الوضع
الطبقى الفاقع بين أطفال فقراء يعانون العذاب فى هذا العمل
المجهد المذل , وبين صاحب المهرة البيضاء الذى يبدو أنه صاحب
الحقل وان لم تقل القصة عنه شيئا , بل لم تذكر سوى "المهرة
المكتنزة" و"القبعة السوداء التى تعتليها" و"القميص الشفيف"
و"السوط الأسود" , وكلها عناصر تحمل دوال سيميولوجية تحيل
الى السطوة والسلطة والعنف , وكأن القهر مرتبط بالوضعية
الاجتماعية الطبقية للشخص المخيف المرعب لا بذات الشخص الذى
يتمتع بها . ان مجرد مرور المهرة , التى تحمل من الأوصاف
الأسطورية ما يجعلها تمثل دالا بذاتها ( فهى لاتشق الغبار
كما اعتاد الأسلوب العربى أن يقول , بل ينشق عنها الغبار ,
وهى مكتنزة , دلالة النعمة والوفرة , وهى لايعتليها شخص واضح
الملامح معروف السمات بل تعتليها عناصر تمثل دوالا من ذات
الحقل الدلالى ) ان مجرد مرور المهرة يجعل ظهورهم أكثر
انحناء , ويتسبب فى سب آبائهم وأمهاتهم , كما يجعل العصا
تلهب ظهورهم وأفخاذهم وتوقفهم عن الغناء , مما يجعلهم
وضعيتهم أقرب الى وضعية العبيد . أوانهم الدود نفسه . فهاهى
البداية .. الدود . أما المنتصف , منتصف اليوم , فليس بأفضل
, فغذاؤهم سيتناولونه فوق المقابر وقد داسوا فى طريقهم
المقابر الصغيرة والفقيرة , التى يمكن أن تكون مقابر الفقراء
والأطفال واستقروا عند "المقبرة الواسعة العريضة المشيدة
بالطوب الأحمر والأسمنت , حيث نتكوم تحت الظل الكثيف لشجرة
التمر حنة " , ولاتهمل القصة الربط بين سبوغ ظلها وبين أنها
تتغذى على دم الموتى , وكذلك بين أنها تقف كالحارس على
المقبرة الواسعة العريضة , فهى - ك "المهرة" - تمثل تعبيرا
طبقيا لاتخطئه العين وهومايجعل فروعها تصعد .. " خضراء ريانة
بعيدا فى الفضاء تنشر الظل الساكن " .(ص28) . حيث تأتى كلمة
" الساكن " هنا لتوحى بالاستقرار والرسوخ والقوة , بما يجعل
من وضعية القهرالذى يمثله مشهد الحقل بكل مشتملاته , مساوية
لوضعية الموت الذى يمثله مشهد المقابر بكل مشتملاته . المهم
أن هذه الظهيرة لاتنقضى بدون دود أيضا , فهاهو الجبن والكرنب
المخلل المعروف باعتباره غذاء الفقراء لايخلو من الدود أيضا
.
أن أجواء الغناء الذى تمت الاشارة اليه فى بداية القصة فى "
الصبح " والذى وأدته سريعا لسعات العصا التى تسارع عملها على
ظهور الصغار مع ظهور " المهرة " , أجواء الغناء تلك كانت قد
تزاوجت مع محاولة لتحقيق لقاء غرامى بين الفتى ( الراوى)
وبين احدى زميلاته بعد نهاية يوم العمل , فى المغرب .
وللمفارقة فان هذا الموعد كان فى المقابر أيضا , وان كان فى
بناء مشهدى جديد , لا يقل بؤسا ووحشة , ليبدأ بالعبارة
التالية :
" النخلة يمتد جذعها – المائل على السور المتآكل – الى
السماء البعيدة , لينتهى بجريد جاف وسباط تتشبث به بلحات
ضامرات .. وفرع الشجرة المخضر مفرود بعرض الحوش تحلق بين
ورقاته أطيار قل نظرها , هناك فى آخر الطرف كان خفاش معلقا
ينتظر القيام .. وكنت أنا بالداخل مع شاهدين (... الخ , الى
أن يقول ) عينى على الطريق الملتوى بين الشواهد الطويلة
والقصيرة تنتظر جسدها النحيل ومنديلها الأحمر يتناثر من
جوانبه الشعر الطويل ". ( ص 29 )
انه مشهد كابوسى , عناصر الوحشة والبؤس والخراب فيه هى سيدة
الموقف , فاذا انتبهنا الى دلالات شحوب المساء الذى يجعل
الأطيار شبه عمياء ," قل نظرها" , والخفاش الذى يستعد
لمزاولة عمله , بما يشيعه ذلك من مشاعر الخوف والرعب ,
وشواهد المقابر ذات التفاصيل المتباينة , والتى تؤكد واقعية
الموت وحضوره الطاغى , لحصلنا على مشهد - آخر ما يمكن أن
يصلح له , هو أن يلتقى فيه عاشقان , حاولا أن يلتقيا من قبل
فى محاولات مجهضة داخل حقول الذرة والأقنية الجافة , اذ
دائما ما كان يبرز لهما من يفسد اللقاء . تماما كما يحدث
الآن , غير أن السبب فى افساد اللقاء هذه المرة سيكون الموت
( المنتج للدود ) من جديد , فمن الطبيعى جدا أن تستقبل
المقابر موتى فى أوقات غير منتظرة أو متوقعة , وهو مايحدث
فعليا حيث يظهر رجال على أكتافهم الفؤوس وقد شمروا الجلاليب
وقبضوا عليها بالأسنان , بما يكاد يوحى بأنهم جاؤا قاصدين
اياه على نحو مباشر ليكتمل مشهد الترصد والقمع والمنع الدائم
الذى يواجهه انسان القصة , غير انه يتبين أنهم انما جاؤا
لدفن ميت جديد , لكى يتحقق ذات الغرض ويتواصل ذات المنع
والقمع . وهنا لا يجد انسان القصة من امكانية للقيام لردة
فعل من بين عدة احتمالات طرحها على نفسه سوى أن يدير ظهره
لهؤلاء جميعا وأن يأخذ فى التبول على السور المتهالك , فى
فعل يختلط فيه النزوع الانتقامى مع اللا مبالاة مع النزق
الطفولى المحتج على هذا الحصار المطبق والذى يكاد يشكل سورا
بين الانسان وامكانية تحقيق ولو قدر ضئيل من البهجة , ولذلك
فان تبوله يكون على هذا السور تحديدا , الذى يمكن أن يحتمل
بجدارة امكانية البث المتعدد للدلالة , فهو سور المقابر وهو
أيضا سور الحصار والبؤس والقمع المضروب حول انسان القصة ,
وهو فى كل الأحوال سور متهالك قديم لا يمتلك أى جلال ولا
يستحق أى احترام .
ان ادارة الحدث على هذا المنحى الخطى القائم على التتابع
الزمنى , من صباح الى ظهيرة الى مساء , ليوحى باستمرارية
المعاناة وتواصلها , وأنه لانهاية لها . كما أن البطل
المراهق , وهو نموذج أثير لدى يوسف أبورية , يمثل فى ذاته
الحياة البازغة التى تصارع من أجل البقاء والتحقق , وهو
مايصم كل العناصر المناقضة بأنها تمثل نقيض هذه الحياة ,
تمتل الموت ومقابره التى تحاصر وجود ونزعات أبطال يوسف أبو
رية .
هكذا يشكل الموت عنصرا نسقيا وبناء ملازما لتشكل عوالم القصة
لدى هذا الكاتب الكبير., وتصبح القصة عنده بمثابة بحث
استقصائى تفصيلى (مورفولوجى ) للموت المحدق بالوجود ,
وللحياة التى لا تمتلك الا خيار الاستمرار والدوام رغم كل
شيء . فى سرد فنى بليغ , يبدو محايدا لامبال , ولكنه يبطن
سخرية لاذعة بالغة القوة والأثر والمضاء .
مصرنا ©