زيارة معـــالى الوزير
...............................................................
 |
|
|
زيارة مفاجئة قام بها وزير التعليم لإثنتين من
مدارس الوزارة فى ضواحى القاهرة |
|
بقلم : أشرف عاشور
.........................
منذ يومين طالعتنا وسائل الإعلام بزيارة مفاجئة قام بها وزير
التعليم لإثنتين من مدارس الوزارة فى ضواحى القاهرة. شاهدنا
الوزير يسير و حوله كوكبة من المساعدين ، و رأيناه يعبر عن
غضبه و سخطه لما رآه من إنفلات و إهمال و تغيب المسئولين و
المدرسين فضلاً عما لاحظه من تفشى القذارة فى المدارس التى
زارها. شاهدنا الوزير يكيل التهم للجميع و يسخر من كل شىء ،
ثم يتصل بشخص ما (يبدو انه أحد المسئولين العاملين معه فى
الوزارة) و يعطيه تعليمات – بطريقة ساخرة - بنقل موظفى
المدرسة إلى مناطق فى الصعيد(!) و يقترح عليه أن يأتى بنفسه
ليشاهد "المزبلة" التى يعيش فيها التلاميذ و العاملون.
لابد أن نوجه الشكر للوزير النشيط الذى لم يكتف بالجلوس فى
مكتبه و تأتيه التقارير التى غالباً ما تؤكد أن كل شىء على
أفضل ما يكون ، ولكن قرر أن يتحرك بنفسه وبدون أى تجهيزات
مسبقة لتجميل الصورة و تلميعها ، و يذهب لمعاينة الأوضاع
الحقيقية على الطبيعة . وبالأمس إستضافت مذيعة برنامج
العاشرة مساءاً ، مجموعة تمثل الفلاحين على مستوى مصر كلها ،
لتحاورهم فى بعض القضايا العامة . حرصت المذيعة النابهة على
أن تتابع مبادرة الوزير و حملته العاصفة التى قلبت كيان
المدرستين و شتتت جموع العاملين فيهما .
إستطلعت مذيعتنا- فى لفتة ذكية - آراء ضيوفها و طلبت منهم
إبدا رأيهم فى زيارة الوزير و ما كان من قوة هجمته و بأسه
وكيف قام بإتخاذ قرارات فورية – على الموبايل- بالنقل و
الفصل ...إلخ.
علق أحد الضيوف ، وهو فلاح من قرية كمشيش، على ما فعله
الوزير بما معناه : " هجوم الوزير و أسلوبه لا يتفقان مع
المبادىء التى يجب إرساؤها فى التعامل مع وضع كهذا ، و مشكلة
التعليم لا تؤخذ كحالة فردية شاذة تُحل بتوقيع العقوبات
الصارمة على بعض العاملين، و بتلك الخفة ، لأن ما عاينه
الوزير هو جزء من منظومة خَرِبة، ويجب التعامل معها على هذا
الأساس" كنت جالساً وحدى أشاهد البرنامج التليفزيونى، فلما
سمعت ذلك الرجل ، لم أتمالك نفسى و أخذت أصفق له قائلاً
"الله ينور عليك".
ما فعله السيد وزير التعليم – بالرغم ما قد يصاحبه من
النوايا الطيبة - يمكن تشبيهه بنزول أحد كبار رجال المرور
فجأة لميدان فى القاهرة تشيع فيه الفوضى و يختلط الحابل
بالنابل ، فيلقى القبض على بعض السائقين و يأمر بجلدهم ، و
ينزل جام غضبه على شرطة المرور و ضباطه العاملين فى المكان
فيرسلهم للمحاكمة العسكرية ثم يعود إلى مكتبه الفاخر مزهواً
بما حققه من إنتصار و معتقداً أن أحوال المرور آخذة فى
التحسن و أن الإنضباط قد ساد .
كنت أتمنى لو أن السيد الوزير قام بتلك الزيارات المفاجئة،
دون ضجة إعلامية ، ودون أن يستخدم موبايله لإيقاع الفزع و
الرعب فى نفوس الحاضرين ، و عاين المشاكل المزمنة فى مدارسنا
، و إجتمع مع الأساتذة و التلاميذ و أولياء الأمور وناقشهم و
إستمع لمشاكلهم لتكوين فكرة صادقة عن أحوال التعليم و ما
وصلت إليه.
أعتقد أنه لو كان السيد الوزير يدرك ما يتوجب عليه لبداية
عهد جديد فى التعامل مع التعليم ومشاكله، لعقد المؤتمرات و
الندوات و إستمع للعاملين والخبراء من رجال التعليم القدامى
و الحاليين والمتابعين لهذا الشأن و المهمومين به ، و تعرف
على جذور المشاكل و كيف تطورت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه ،
ثم وضع خطة قومية متكاملة تدعمها جميع أجهزة الدولة و يتوفر
لها الميزانيات المطلوبة وبما يتناسب مع حجم الكارثة التى
نعيشها فى موضوع التعليم من جميع النواحى.
وهناك عدد من الأسئلة التى تطرح نفسها فى هذا السياق: ما
الذى تحقق من تلك العاصفة التى أحدثها السيد الوزير فى هاتين
المدرستين ؟ وماذا لو قام الوزير كل يوم بزيارة من هذا النوع
و قام بنفى إدارة المدرسة و عدد من المدرسين ؟ وأين سيذهب كل
هؤلاء المنفيون من المدراء و المدرسين ؟ وهل هناك ما يضمن
أنهم سيكونون أفضل حالاً بعد النفى ؟ وما ذنب المدارس التى
سيُنفى إليها هؤلاء المقصرون ؟ و هل يجوز نفيهم إلى أماكن
أبعد إذا إستمروا على حالهم من الإهمال ؟ وما هى تلك المدارس
النائية التى نعتبرها غير جديرة بجهاز تعليمى محترم ؟ هل هى
جزء من مصر ؟ وهل هكذا تبحث المشاكل و يكون التعامل مع بعض
الظواهر السلبية التى هى نتاج إرث عشرات السنين من الإهمال و
الحلول المؤقتة و دفن الرؤوس فى الرمال و حالة الدولة الرخوة
التى نفضت يدها من مسئولياتها منذ زمن بعيد ؟
سيادة الوزير، لا أقول لك أن ما فعلته كان مجرد حماقة ، ولكن
أقول أنك إجتهدت و لكنك فى أحسن الأحوال لا تستحق سوى أجر
واحد .
asashour@gmail.com
للمزيد عن موضوع التعليم ومشاكله فى مصر