الأرض مقـــــــــــــابل الكــــــلام....
...............................................................
 |
|
|
عباس |
|
بقلم :
أشرف عاشور
........................
منذ أيام طالعتنا وسائل الإعلام بأن المفاوضات الفلسطينية
الإسرائيلية ستبدأ من جديد. وافقت الدول العربية والسلطة
الفلسطينية على التفاوض مع إسرائيل ، مفاوضات غير مباشرة
برعاية أميركية . وأتصور أنه لابد عندما تبدأ مثل هذه
المفاوضات الهامة ، فإن كل طرف يضع لنفسه خطة يعمل من
خلالها. فهو لابد يعرف مطالبه ، و يعرف الاوراق التى بيده و
كيف يستخدم تلك الاوراق لتحقيق أقصى ما يمكن من أهدافه.
ومن البديهى أن نفترض أن كل طرف يجب أن يكون عنده ما يقدمه
للطرف الآخر، مقابل ما يأمل فى الحصول عليه.
وهنا يحق لنا أن نتساءل، ما هى الأوراق التى بحوزة أبى مازن
و العرب وعلام يتفاوضون ؟
ما الذى يمكنهم أن يقدموه مقابل سماح إسرائيل بقيام "دولة
فلسطينية على أرض 67 و القدس عاصمة لها" ؟
ما الذى يمكنهم أن يقدموه مقابل إزالة مستوطنات الضفة
الغربية و التى يسكنها قرابة 500,000 مستوطن إسرائيلى ؟
ما الذى يمكنهم أن يقدموه مقابل أن تتخلى إسرائيل عن "جزء"
من القدس العربية لتكون عاصمة لدولته ؟
ما الذى يمكنهم أن يقدموه مقابل أن تزيل إسرائيل الجدار
العازل فى أراضى الضفة الغربية و الذى يقتطع أجزاءاً إضافية
منها لصالح إسرائيل ؟
ما الذى يمكن أن يقدمه العرب و أبو مازن مقابل حق العودة
للفلسطينيين الذين فقدوا ديارهم نتيجة للتطهير العرقى و
الإرهاب المنظم الذى مارسته العصابات الصهيونية فى فلسطين ؟
منذ بضع سنوات، و بالرغم من تخلى القوى العربية الفاعلة عن
دورها تجاه قضية فلسطين، كانت العمليات الإستشهادية فى
أوجها. وكان ذلك نوعاً من المقاومة، و بالرغم من التحفظات
التى كانت تثار بشأنها، فإنها كانت تشكل نوعاً من الضغط على
إسرائيل.
وقبل ذلك بعدة سنوات كانت الإنتفاضة الأولى إنتفاضة
الحجارة- تشكل عبئاً مادياً و اخلاقياً على إسرائيل ، و نجحت
فى جذب انظار الكثيرين من كل أنحاء العالم إلى المأساة التى
يعيشها الفلسطينيون ، و إلى وحشية عدوهم و لجوئه إلى وسائل
بالغة العنف و القسوة و إستخدام الأسلحة الحديثة فى مواجهة
شعب أعزل يطالب بحقه فى حياة كريمة كغيره من الشعوب.
وتوقفت، أو أوقفت ، أشكال المقاومة السابقة لأسباب من أهمها
الخطايا السياسية للزعماء الفلسطينيين و العرب.
وكان قد ساد فى حقبة التسعينات من القرن الماضى وربما
إستمر حتى فترة قريبة - شعارُ ، حظى بكثيرمن القبول عربياً و
عالمياَ ، وهو :
" الأرض
مقــــــــــــــــابـــل الســـــــــــــــــــــلام"
.. يسترد العرب أرضهم السليبة ، مقابل أن يكفوا أيديهم عن
إسرائيل،" و ينتهوا عن البطش و التنكيل بالإسرائيليين
المسالمين، و بذلك ينال داود الصغير، الضعيف و المهادن ، حق
العيش فى أمان إلى جانب جالوت الجبار الذى لا يرحم" !
تنال إسرائيل السلام و الأمان اللذان ما فتأت تطمح إليهما
منذ نشأتها ، و العرب ينالون أرضهم أو جزء منها وهو ما
يطالبون به من سنوات بعيدة.
وبصرف النظر عما فى هذه المقاربة من سخرية ، فالفكرة و
المحصلة النهائية واحدة. طرف يملك الأرض بغير حق- و لكنه
حسب زعمه لا ينعم بالأمن ، و الآخر فقد أرضه وهو مستعد
لتقديم بعض التنازلات ، وهى إلى جانب التنازل عما يقرب من 80
% من الوطن الأصلى وهو ما تم فى مرحلة سابقة دون مقابل-
فهو مستعد أيضاً للتوقف عن إثارة المتاعب للطرف الثانى.
وللنظرة الأولى ، يبدو أن الصفقة معقولة جداً ، بل و مغرية
لداود المسكين الذى يحلم بالأمن و السلام !
و يبدو أن الزعماء العرب الذين فكروا فى تقديم مبادرتهم عام
2002 ، كانوا يفكرون بنفس الأسلوب .
ولكن بعد شىء من التمعن و إعادة النظر فى الموضوع، يتضح أن
ذلك الشعار أو تلك المبادرة لم يكونا قائمين على أساس سليم
أو مدروس.
فالفكرة السابقة ، كانت ببساطة تعنى:
أولاً: أننا
العرب- نستطيع أن نعرض السلام ، لأننا نملك خيارالقتال و
الحرب .
ثانياً: أن إسرائيل مستعدة للتخلى عن الأرض مقابل الثمن
المناسب، وهو فى هذه الحالة الأمن و السلام.
أثبتت الأيام ، لى و لغيرى أن الفرضيتين كانتا خاطئتين .
كيف يمكن أن نقايض بما لا نملك ؟
وكيف نفترض أن إسرائيل تريد السلام، بينما لا يوجد من
الشواهد ما يدل على ذلك؟
فى السبعينات ، عندما جلس ممثلى الفييت كونج (ممثلى فيتنام
الشمالية) مع الأمريكيين للتفاوض حول وقف و إنهاء الحرب
الدائرة فى فيتنام، كان هناك ما يمكن التفاوض عليه و
المقايضة به، وكانت تلك المعادلة متحققة بصورة أو بأخرى.
كانت فيتنام تقاتل و بكل شدة ، وتلحق بالأمريكيين خسائر
طائلة فى الأرواح ، وكذا كانت الولايات المتحدة ، فكل طرف
يملك أن يعطى السلام أو يمنعه بشروط معينة.
وفى التسعينات، عندما بدأ ممثلو الجيش الجمهورى الأيرلندى
التفاوض مع ممثلى حكومة ملكة بريطانيا- بوساطة من جورج
ميتشل- كانوا يملكون القدرة فى أى لحظة على إستئناف نشاطهم
المسلح (و الذى كان يوصف دائماً بالإرهابى) ، و هم بذلك
كانوا يملكون خيار القتال ، و قادرين أن يمنحوا السلام ،
مقابل ما يطلبون من الحقوق السياسية.
وفى الستينات ، عندما كنا نخوض حرب الإستنزاف ، وجاءت الرسل
تترا بعروض وقف إطلاق النار و السلام ...إلخ ( يارنج ...
روجرز و غيرهم)، كانت هناك عروض بإعادة الأرض (تحت شروط)
مقابل إنهاء حالة الحرب . كان أكبر هم القيادة السياسية،
حينذاك، أن نكون قادرين على القتال لإستعادة أرضنا ، قبل أن
نجلس و نتفاوض . وكان موقفنا يزداد كل يوم قوة ، مع تزايد
مقدرتنا على الردع و صد العدو. ومن عاصر أو قرأ عن تلك الحرب
يعرف كيف حرصنا على بناء حائط الصواريخ لنحرم العدو من
العربدة فى سمائنا و لتحييد سلاح طيرانه المتفوق، ما أعطانا
الفرصة لنضربه على الأرض حيث الملعب أكثر إستواءاً. إذن كان
لزاماً علينا أن نملك خيار الحرب حتى نستطيع أن نتفاوض و
نفكر فى السلام.
الأمثلة السابقة ، هى غيض من فيض.
فقط فى حالات الإستسلام غير المشروط كما حدث فى نهاية
الحرب العالمية الثانية مثلاً- يجلس الطرف المهزوم وهو فاقد
لخيار إستئناف القتال و الحرب، ليوقع على ما يمليه عليه
الطرف المنتصر. وهذه لا تكون مفاوضات سلام بقدر ما تكون
ترتيبات الإستسلام .
أما فى حالة العرب و إسرائيل ، فبعد أن أعلنت مصر فى
السبعينات من جانب واحد - أن حرب أكتوبر هى آخر الحروب،
تحولت من لعب دور القائد للصراع مع إسرائيل إلى دور الوسيط
والمراقب .
وكنتيجة للخطأ السياسى الفادح الذى وقعت فيه منظمة التحرير
بإنحيازها إلى جانب صدام حسين عند إحتلاله للكويت، وقعت
المنظمة فى فخ إتفاقية أوسلو، ثم سارعت إلى إجهاض الإنتفاضة
الفلسطينية الأولى الرائعة، و ترتب على ذلك هرولة بعض الدول
العربية إلى مد الجسور بينها و بين إسرائيل ، و تحول الموقف
العربى إلى نوع من السيولة وفقد الإرادة وتطور بسرعة إلى
حالة من العجز التام عن تبنى موقفاً ذا معنى أو قيمة تجاه
القضية الفلسطينية.
رُفع شعار "السلام هو الخيار الإستراتيجى" و أخذ الرسميون
العرب من يومها يرددونه فى قممهم و محافلهم بوعى أو بدونه ،
كما لو كان نصاً مقدساً !
ثم حدث أن سلطة أبى مازن و الدحلان ومن معهما ، إختاروا
"النوم فى حضن العدو" و إبتلعتهم شبكة المصالح الإسرائيلية و
الأمريكية إبتلاعاً كاملاً(1)، و أضحوا يجندون الشباب
الفلسطينى تحت قيادة الأميركى "دايتون" و يدربونه على
مطاردة المقاومين و القضاء عليهم و الإشتراك مع القوات
الإسرائيلية فى غاراتها على معاقل المقاومة و إغتيال أو
إعتقال إخوانهم الفلسطينيينن فى سياق ما يسمى "بالتنسيق
الأمنى"، و الذى هو فى الواقع العمل المنهجى ضمن منظومة جيش
الدفاع الإسرائيلى لتحقيق مطالب الأمن الإسرائيلية ، كما
يراها الإسرائيليون.
فأى خيار أو أية أوراق يملكها أبو
مازن و الدحلان ؟
من الواضح أننا
إستبعدنا خيار الحرب ، فكيف نعرض السلام ؟
و الطرف الثانى من المعادلة ، هو : هل تريد إسرائيل السلام
حقاً ؟
أو فلنصغ السؤال بشكل أفضل . هل هناك سلام تبحث عنه إسرائيل
عند العرب ؟ أو هل تحتاج إسرائيل إلى أن تطلب سلاماً من
العرب ؟
العرب لا يهددون إسرائيل عسكرياً ، اللهم إلا حزب الله
المقيد فى حركته و حماس المحاصرة و التى تعمل مصر و
إسرائيل و السلطة الفلسطينية بشكل متناغم - على خنقها و
القضاء عليها.
تلك جيوب محاصرة تماماً من العرب أنفسهم قبل إسرائيل.
إسرائيل تأخذ إحتياجاتها من الغاز من مصر بأبخس الأثمان. و
هناك إتفاقيات الكويز التى تفرض على الأردن و مصر الإستيراد
منها ، و الله يعلم كم من البضائع الإسرائيلية تجد طريقها
إلى الكثير من الأسواق العربية بشكل أو بآخر.
فى رؤيته لسياسة
إسرائيل بعد العدوان على غزة فى مطلع عام 2009 ، إنتهى
الكاتب الإسرائيلى " آفى شلايم " ، بعد أن نفد صبره، و ضاق
بسياسة إسرائيل التوسعية ، إلى ما رأى انه حقائق ناصعة :
"Israel had a choice, and it chose land over peace".
" لقد كانت الفرصة متاحة لإسرائيل للإختيار، و هى فضلت الارض
على السلام."
Israel's real aim is not peaceful coexistence with its
Palestinian neighbors but military ddomination.
إن الهدف الحقيقى لإسرائيل ليس التعايش السلمى مع جيرانها
الفلسطينيين، بل الهيمنة العسكرية" (2)
فالحقيقة أنه ، عملياً ، لا توجد طلبات أو حاجات أساسية
لإسرائيل عند السلطة الفلسطينية بصفة خاصة و لا العرب بصفة
عامة.
لا يوجد لدينا ما نقدمه لإسرائيل، و لم نعد نشكل أى تهديد
حقيقى لها .
حقاً .. نستطيع أن نتكلم، و يمكننا أن نرفع أصواتنا بالشكوى
و نصرخ هنا و هناك، و نتحدث عن الظلم الواقع على الفلسطينيين
و حقوقهم المستباحة و أرضهم التى تسلب كل يوم ..
كما يمكننا أن نعقد المؤتمرات للتباكى على المقدسات التى
تنتهك بشكل منهجى، و قد نتظاهر ضد خطط التهويد و هدم
البيوت...إلخ.
يمكننا أن نتكلم كل يوم ، ضد إسرائيل و جرائمها، و أن نتكلم
كثيراً عن إستهتارها بالقوانين الدولية و قرارات الأمم
المتحدة و نتكلم ...و نتكلم ، وهذا الكلام قد يكون غير مريح
لإسرائيل ، و قد يسبب لها أحياناً بعض الحرج ...ولكن هل هذا
هو ما نتفاوض عليه ؟
نحن إذن نأمل أن تتخلى إسرائيل عن الأرض تحت وطأة كلامنا وما
يسببه لها من حرج ! الأرض مقابل الكلام.
(1) راجع مقال
الكاتب "حماس و فتح ، هل لازال الإتفاق ممكنا" .
(2)The Guardian 7 - 01 2009
Avi Shlaim is a professor of international relations at
the University of Oxford and the author of The Iron Wall:
Israel and the Arab World and of Lion of Jordan: King
Hussein's Life in War and Peace.
asashour@gmail.com
www.ashrafashour.com