الطوارئ ونهر النيل
...............................................................
 |
|
|
النيل |
|
احمد عبد الحكم دياب
.......................
الكتابة نوع من التعبير يحتاج إلى تفاءل ويقظة ومتابعة
واستقرار ونحن في بلد يعمل نظامه على قتل كل هذه المعاني
النبيلة لهذا تجد على السطح المنافقين والأفاقين وكتبة
السلطان والمبرراتية الذين لا هم لهم سوى تبرير تصرفات
السلطة
في هذا الزمن تتوقف أقلام كنا احوج ما نكون إليها ففي أسبوع
واحد يخلد إلى الراحة الأبدية قلم محمد عابد الجابري ذلك
المفكر الفذ الذي حمل على كاهله هموم مشروع النهضة العربية
بفكر مستنير ومعطيات علمية وموضوعية فكرية،
كل هذا مع دماثة خلق وعفة نفس وتواضع وقد كان لي شرف
الالتقاء به أكثر من مرة مما جعلني أكن للرجل مودة وتقدير
أيضًا يخلد للرااحة الأبدية قلم الولد الشقي محمود السعدني
الذي كنا ونحن تلاميذ في مدرسة السعيدية الثانوية نهرب من
فراغ الدراسة إليه في مقهى عبد الله بالجيزة لنجده وصحبته
واتذكر أنني التقيته بعد حوالي خمسة عشر عامًا وذكرته بهذه
الأيام ففاضت دموعه ويقول لي لقد كانت أجمل الأيام وأحلاها
رحم الله الجابري والسعدني
نعود لهموم واحباطات نظامنا السياسي الفريد فنجد مشهد قل ان
تجد مثيلاً له حتى في المجتمعات البدائية أو القبلية
فالنيل شريان الحياة يكاد تحجب مياهه عن مصر المحروسة ودول
الحوض تجتمع في شرم الشيخ لتوقع على اتفاقية
مبدئية لتقسيم مياه النيل دون وضع أي اعتبار لمصر والسودان
والكيان الصهيوني يلعب دون رادع في الحوض ويغدق الوعود
والهبات من أجل منع مياه النيل عن مصر وحكومتنا كأن الأمر لا
يعنيها بل أن الغريب أن النظام بأكمله في خضم هذه المعمعة
الخطيرة يستنفر كل قواه ورجاله بشكل غير معهود من أجل تمديد
حالة الطوارئ في مصر لمدة عامين ويصل
الاجهاد والجهد برئيس مجلس الشعب مداه فينقل للمستشفى بعد أن
كَل قلبه من الصراخ والتربيط والوعيد والتهديد
ووزير الشئون القانونية يضع القانون جانبًا ويدافع دون سند
عن قانون استثنائي من المفروض أنه أول من يحاربه والرئيس
يصدر قرارًا سريعًا يعرض على مجلس الشعب للموافقة حسمًا
للموقف ودعمًا للحزب الحاكم كل هذا وأربع دول من دول حوض
النيل تجتمع لتوقع بالاحرف الأولى على اتفاقية جديدة لتقاسم
مياه النيل ومنحها الحق لاقامة سدود عند المنبع والمجرى يمكن
أن تحول دون وصول المياه لمصر والسودان أو على الأقل تحدد
لها كميات معينة تحول دون أن يجد سكان الدلتا ما يشربون
لقد انبرت الأقلام المأجورة تبرر تجديد حالة الطوارئ وتعدد
حسنات قرار الرئيس على اعتبار أنه يصون الوطن ويحفظ حقوق
الإنسان، وبالطبع فإن أي فرد ذي بصيرة سيفهم دون جهد أن هذا
تضليل إذ لا يمكن لقوانين استثنائية تعطي للسلطة التنفيذية
صلاحيات غير محدودة وتجعل من رأس الدولة حاكمًا عسكريًا
عامًا ورئيس الوزراء نائبًا للحاكم العسكري، وتفتح الباب
أمام احالة المواطنين المدنيين للمحاكم العسكرية التي لا
تقبل الطعن في أحكامها
هذه الأقلام التي تناصر تمديد الطوارئ وتتبارى في الاشادة به
لم تتحدث مطلقًا على خطورة ما يجري في منابع النيل ومجراه،
بل أن الصحف الحكومية تقوم بنشر الموضوع كخبر منقول عن
وكالات الأنباء دون ابداء رأي أو تحليل لخطورة الأمر ووزير
الخارجية يطلق اعيرة تصريحاته الجوفاء ثم يصمت ولا يتفوه
بكلمة ووزير الري يكيل التهديد لمن يوقع دون مصر، مع أن
الاتفاقيات قد وقعت وتركت الباب مفتوحًا لأن توقع عليها
السودان ومصر
أن تمديد حالة الطوارئ قد يفيد النظام فيما يتعلق
بالانتخابات القادمة سواء التجديد النصفي لمجلس الشورى أو
انتخابات مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية والفائدة التي تعود
للنظام هي من قبيل تكميم الافواه ومعاقبة المعارضين والقبض
على الذين ينادون بالاصلاح والتغيير لكن هل يمكن أن يكون
لهذا النظام مستقبل إذا منعت دول حوض النيل المياه عن
هذا الشعب وأصبح لا يجد شربة ماء
ان افتقاد النظرة الاستراتيجية للأمور، وتفضيل المصلحة
الخاصة على العامة واختصار مصلحة مصر في مصلحة النظام
ورجاله فقط تمثل كارثة ستعود لوضع مأساوي قد لا يستطيع أحد
التحكم في مساره ونتائجه
ان تزايد حركة الاحتجاج في الشارع المصري وخروج الفئات
الصامتة للمطالبة بحقوقها المهضومة والاعتصامات والاضرابات
هي دلالات على أن حركات الرفض أصبحت غير مقصورة على النخب
السياسية والثقافية، بل وصلت لعموم الناس، كما
أن ظهور الحركات الشعبية الجديدة ورفض التعامل مع الاحزاب
الكرتونية الديكورية دليل آخر على أن هذا الشعب يعي ويلم
بابعاد الصورة على ساحته العامة
لقد سقطت الاقنعة، ولم يعد الزيف ينطلي على جموع الشعب،
وأصبح الفساد هو العدو الأول للشعب، واتخذت حركة
الجماهير طريقًا سلميًا للرفض والاعتراض وأظن أن الطوارئ
وغيرها لن تستطيع أن توقف ذلك
haneen_diab@hotmail.com