المقامة الأحمدية في المهنة الصحفية
...............................................................
 |
|
|
الصحافة اليوم |
|
احمد عبد الحكم دياب
........................
ولد في دولة يهيستان علي ضفاف نهر المرجان, واحب الذرة
والرمان والطمي والدخان, وكبر وترعرع, الي أن تعب وتضعضع
فقرر العمل في بلاد النفط لما سمع عنها من ثراء وشفط, وكان
يعمل بمهنة الصحافة والكتابة, وهي مهنة شديدة المحاسن
والمهابة, وتتميز بالفصاحة والخطابة, كما أن بها كثير من
العجائب والغرابة.. وكانت دولة عجميستا المقصودة, يصفونها
بالرجعية الموعودة ويصفون نظامها بالصلاح والجودة, كما أن
أبواب السياسة في وجه الجميع موصوده وعمل البهيستاني عندهم
بستاني, يدبج المقالات, ويرشد وينمق الخطابات ويقترح الخطط
والسياسات, ويزرع الورود والزهرات..
لكنهم لم يكتفوا منه بذلك, بل شحذوا ضده الخناجر والكزالك,
وهددوه بالسعير والمهالك والثبور والظلام الحالك, إذا لم
يعلن أنهم وزعيمهم هم زعماء الجمهوريات والممالك..
ولما كان أخينا يعمل في عصبة الأمم, ويتلقي راتبه من نظيفى
الأيادي والذمم فقد رحمه ذلك من سعير الحمم لكنه لم يرحمه من
التهديدات, وعرقلة أعماله بالمضايقات ومراقبته مثل ظله في كل
المناسبات, لكن صبر وثابر, وتصور أنه شجاع قادر, وان موقفه
سليم لا يحتاج إلى نصير أو مناصر..
وذات يوم عند الظهيرة, وأولاده يتناولون أكواب الشاي
والفطيرة وهم جالسون على الآريكة والحصيرة هم عليهم جلاوزة
السلطات, ومعهم العصى والبنادق والهراوات وطلبوا منهم ترك
المنزل والحجيرات, وترك الملابس والجوازات, والأقلام
والكراسات فهم من الأجانب المرتزقة الذين احتلوا البلاد
وكأنهم مادة لصقة, واقتادوهم للخارج دون رحمة أو شفقة..
وحضر البهيستاني في الحال, ةاحتضن زوجته والأنجال وهدأ من
روع الجيران من النساء والرجال, وطلب منهم وثائق السفر حتى
يتمكن من الترحال والعودة إلى بهيستان. وعاد المطرود بعد
رجاء وتصميم وهو لا يملك من الدنيا درهمًا ولا مليم, وبعد أن
استولى حاكم عجميستا على البالي والسليم, وطلب العمل في
مهنته الكريمة يكتب وينقد بقلب باكي وعين كليمه, واحتضنه
رئيس تحرير مطبوعة عظيمة, واباح له الكتابة دون حرج, وينتقد
كل من هبش أو عرج أو عن صفوف الجماعة خرج, أو نهب ثروة
بهيستان في الفوضى والهرج وعندما اراد المطرود أن يكتب ذات
مرة عن حاله, ويناقش مع القراء ما جرى له هو وعياله, ويطالب
بحقوقه وملابسه وامواله.. اصضطدم بعقبة المصالح, وطالبوه
بالعفو والتسامح, والقبول بالواقع الكالح وإلا سيصيبه أكثر
مما أصابه, وسينعكس الأذى على أهله وأحبابه وقد ينال جيرانه
واترابه, فحاكم عجميستنا له باع طويل, ويجيد الانتقام
والتهويل ولا يعرف مع منتقديه ملاينة ولا تساهيل.. وسدت أمام
المطرود الأبواب والأعمال, ونفذ ما جاد به الأكرمون من أموال
وأختلطت أمام عينيه الألون والأشكال.. بل أن الأغرب, أنه
أصبح في نظر البعض مثل البعير الأجرب, محروم من أن يأكل أو
يشرب, فصداقته بهم ضارة وعلاقتهم به غير سارة, خوفًا من ضياع
الألوف والملايين, وصحبة ارباب البلاط والسلاطين والتنقل من
بحبوحة العين إلى رغد الراغدين..
ولما كان هذا الحاكم قد أغلق في بلادنا صحفا ومجلات, وحبس
كتابا وكاتبات ونكل بصحفيين وصحفيات واغدق على آخرين بملايين
الدراهم والريالات وأصبحوا وهم في شرخ الشباب من أصحاب
المؤسسات بعد أن فتح لهم أبواب الاذاعة والفضائيات, وبدلاً
من أن تمنح لهم ساعة منحت لهم ساعات على الهواء مباشرة أو من
خلال التسجيلات.
والمطرود يرى وهو مريض ,ومحبط ومحطم والجناح مهيض, ورئيس
تحريره الشريف بوضعه ليس سعيد, لكنه لا يعرف كيف يقدم له
العون أو يفيد وتمكن منه المرض والحاجة, والحاكم الهمام يغدق
على العهر والفسق بصفافة وفجاجة.
فيا أيها العاملون في الصحافة, كفانا الحديث عن الخفة
واللطافه, وكفانا حديث عن البذاءه والسخافه, ولنعد إلى ما
كنا عليه من عز وحصافه لقد هانت علينا نفوسناو وقلت في دائرة
الضوء دروسنا, فقد هدنا في الداخل الفساد, وضاعت كرامتنا في
البلاد وانهال علينا الطغاه والاوغاد فأصبحنا لجيراننا
ملطشة, بعد أن صارت بهيستان محششة, واصبحت الموبقات بين
جنباتها راقدة ومعششة..
لقد صارت الكرامة’ مهدرة, والعزيمة’ مفقودة أو مكسرة, وسوسة
الفساد في الجسد النحيل ناخرة’ فهل تفيقون أيها النيام,
وتعلنون القيام لاخذ حقوقكم من كل اللئام سواء كان زعيم
خارجي همام أو رائد فساد في الداخل محصن لا يضام.
haneen_diab@hotmail.com