حرية التعبير والرقابة الذاتية
...............................................................
 |
|
|
حرية التعبير |
|
احمد عبد الحكم دياب
...........................
فى خضم الحديث عن التغيير وآلياته ومع اشتداد سطوة القبضة
الحديدية للنظام رغم الإدعاء بإلغاء قانون الطوارئ برزت على
صدر الصفحات الأولى للصحف الحزبية والمستقلة قضية إحالة
الصحفى وائل الابراشى لمحكمة الجنايات بتهمة التحريض على
عصيان القوانين بناء على بلاغ من يوسف بطرس غالى ناظر
المالية وقبلها احيل الأستاذ حمدى قنديل للنيابة بناء على
شكوى من احمد ابو الغيط ناظر الخارجية وكلف رؤساء التحرير
الأستاذ عادل حمودة ليكتب معبرا عن رأيهم فى هذا الأمر والذى
تضمنت كلمته المنشورة فى غالبية الصحف الحزبية والمستقلة
نقطتين جوهريتين أولاهما : تعبر عنها مقولة ليوسف ادريس تقول
( كل الحرية المتاحة لنا لا تكفى نصف كاتب واحد ) وهى مقولة
تفضح زيف الإدعاءات الباطلة بوجود حرية للتعبير فى مصر
المحروسة .. وثانيهما : أن الحكومة تعاقب من يخالفها مستخدمة
القضاء لكنها لا تنفذ احكام القضاء التى تصدر ضدها مما يؤكد
أيضا زيف الإدعاء بسيادة القانون .
ولقد استفاضت أقلام كثيرة فى الحديث عن حرية التعبير والرأى
وما يقابلها بما يمكن أن نسميه [ الرقابة ] وهى ذات أنواع
متعددة تخطت حدود المنع والحجب ووصلت لحد التشويه والمقاضاة
والتسفيه ..
وإذا كانت الرقابة المفروضة على الأدوات الإعلامية الحكومية
قد أسست ثقافة إعلامية تتسم بالضحالة والإستفزاز والإبتزاز
واستخدام الألفاظ النابية والتهم البالية والألفاظ الفجة مثل
الخيانة والعمالة والإرتباط بأجندات أجنبية فى وصف مخالفيها
فى الرأى ألخ .. ألخ .. فإن هذه الأدوات جعلت البعض ممن
يعملون بها يسيرون على خط واحد لا يمكن الخروج عن النص فيه
فأصبحت لغتهم لغة واحدة معدومة الأثر والتأثير وتتسم
بالركاكة والإسفاف وهذا ناتج عن أن كثير من العاملين بها من
أشباه المثقفين والذين وصلوا لهذه المواقع أما عن طريق
السطوة والنفوذ أو الرشاوى أو العلاقات بجهات أمنية .
فى المقابل كان من المفترض أن تظهر أدوات إعلامية حزبية
معارضة تتبنى خطوطا فكرية تعبر عن أحزابها وتفند دعاوى
الحكومة وترفع من وعى المواطن وتحاول أن تجذبه للإلتحاق
بشكلها السياسى والتنظيمى .. لكن للأسف الشديد فإن ضعف وهزال
وانشغال القيادات المعارضة فى الصراعات الداخلية جعل هذه
الأدوات تصبح مجرد واحهات كرتونية واهية غير قادرة على
استيعاب حركة الشارع أو التجاوب مع مطالب التغيير .. وأصبحت
الصحف الحزبية أدوات تستخدم لتصفية حسابات بين فرق متناحرة
داخل الحزب الواحد أو تشويه رموز سياسية معارضة وفى حالة
الحياد فإنها تعبر عن رأى رئيس التحرير ولا تعبر عن الحزب أو
برنامجه .
ودخل إلى المعترك الإعلامى أدوات جديدة تسمى مستقلة منها
قنوات فضائية وصحف يمتلكها أفراد وتعبر عن مصالحهم وتوجهاتهم
ويستخدمونها لمواجهة خصومهم والضغط على بعض أطراف النظام ,
وكان أصحاب هذه الأدوات ممن يطلق عليهم رجال الأعمال الذين
استطاعوا الأستحواذ على السلطة التنفيذية بإحتلال مواقع
وزارية هامة , وتغلغلوا داخل أروقة السلطة التشريعية وتمتعوا
بحصانتها ولما لم يستطيعوا النفاذ للسلطة القضائية لجوا لما
يطلق عليه مجازا السلطة الرابعة وهو الإعلام والصحافة .
هذه الصحف استطاعت أن تطور فى أداء العمل الصحفى العام وأن
تتبارى فى سرعة نقل الأخبار وإجراء التحقيقات لكنها محكومة
بمصالح رأس المال الذى يمولها مما يجعلها حذرة فى الخوض
بجدية عن الفساد وصوره وكيفية مواجهته , كما انها لا تغامر
بالكشف عن عورات مافيا النفوذ واستغلال السلطة والقمع وتحجيم
دور الدولة فى مواجهة الممارسات الفاسدة .
لقد استطاعت الصحافة الحكومية أن تفرض على العاملين بها خطا
لا يخرجون عنه , وصنعت الصحافة الحزبية لنفسها رقابة ذاتية
تتمثل فى التعلية من شأن اتجاه واحد داخل الحزب الذى تنتمى
إليه وفى الغالب يكون هذا الإتجاه هو المسيطر على الجريدة
وفى ظل الصراعات الداخلية أغفلت القضايا الحياتية للمواطن
كما بدأت تعمل على عدم قطع كل الخطوط مع الحكومة والنظام
والكل قد سمع عن الصفقات التى تمت بين حكومة الحزب الوطنى
وبعض أحزاب المعارضة من أجل مقعد فى مجلس الشعب أو الشورى .
والصحافة المستقلة صنعت لنفسها هى الأخرى رقابتها الذاتية
والتى تعمل على الحفاظ على مصالح مالكيها وليس مهما بعد ذلك
أن تتيح الفرصة لأراء مختلفة أو تدعى الليبرالية .
هناك نوع أخر من الصحف المستقلة ظهرت قبل سيطرة رجال الأعمال
على سوق العمل الإعلامى وصحافة هذا النوع ذات امكانيات
محدودة محرومة من التمويل الداخلى أو الاعلانات والاشتراكات
مما جعل بعض مالكيها يلجأون للتمويل من جهات أخرى فكبرت
مؤسسات كانت صغيرة وأصبحت ذات ثقل اقتصادى .. هذه الصحف ايضا
صنعت رقابتها بأن ظهرت بصورة الفارس القادر على مواجهة كل
شرور الفساد فى الداخل لكنها كانت غير قادرة على مواجهة بعض
القوى غير الداخلية وهذا قد يرجع لسببين : أما الحفاظ على
مصادر التمويل أو الحفاظ على نسبة التوزيع بالخارج .. وفى
الوقت الذى تقوم فيه هذه الصحف بالرقابة والحرص ومحاولة
الحفاظ على علاقات خاصة ومتميزةومتوازنة فإن هذا لم يمنع قوى
خارجية من الضغط حتى أغلقت بعضا منها وشردت العاملين بها كما
أن قوى أخرى كادت أن تحبس عددا من الكتاب لمجرد انهم تعرضوا
لتجربتها والغريب هنا أن من سبق وأغلقت صحفهم ظلما وعسفا
يهاجمون من أغلق مطبوعاتهم ولا يتعرضون لمن زج بزملاء مهنتهم
فى السجون .
الخلاصة هى أن حرية الصحافة فى مصر لا تكفى نصف كاتب كما قال
يوسف ادريس لكن المشين أن تكون رقابة اصحاب المهنة أشد فتكا
بالأقلام من رقابة السلطة الغاشمة .
إن الحرية لا تمنح لكن تقتنص بالعمل والدفاع عن المهنة
ومواجهة ما بها من عيوب فترتيب البيت الداخلى حجر زاوية
اساسي فى الاستعداد لمعركة التغيير وخاصة والإستعدادات على
قدم وساق لمعركة انتخابات البرلمان ورئاسة الجمهورية وهى
مرحلة لن يراعى النظام فيها رحمة أو شفقة .
لقد ابرزت صحيفة حكومية كبرى على صدر صفحتها الأولى خبر حكم
المحكمة بإدانة صحفى يعمل بها فى قضية رفعها رئيس تحرير سابق
ولم تراع أصول الزمالة أو تقاليد المهنة .. ومجلس تحرير
صحيفة مستقلة انتقد بشدة أقدام كاتب بها على كتابة موضوع عن
مظلمة تعرض لها من دولة شقيفة ومع أن الموضوع كان يتسم
بالرمزية والتورية إلا أنهم اتهموه بأنه مرر المقال أثناء
سفر رئيس التحرير وكأنه هو الذى يحدد ما ينشر وما لا ينشر
وأجبر الكاتب أدبيا على عدم الكتابة فى هذه الصحيفة المحترمة
التى واكب عودتها للصدور بعد المصادرة ولم يتخلف عن الكتابة
إلا لمرض أو سفر وهاتين الواقعتين يثيرا الحيرة والإستغراب
ولا يتسقا مع ما ننادى به من قيم ومثل .
إن الجماعة الصحافية مطالبة الأن أكثر من أى وقت مضى بتجاوز
خلافاتها واشاعة جو من حرية التعبير الحقيقية داخلها أولا
علما بأن سجن صحفى واحد لا تعادله أبدا أية مكاسب أيا كان
نوعها كما أن الذين يحلمون بالتغيير يجب أن يشعروا بالأمان
فالخائف لا يبدع والمتردد لا يبدع والجائع أيضا لا يبدع .