البرادعي ومأزق الحزب الحاكم
...............................................................
 |
|
|
احمد دياب |
|
بقلم : أحمد
عبد الحكم دياب
..............................
كتبنا في المقالين السابقين عن
البرادعي
بين المهمة والأسطورة
- ثم
البرادعي وأزمة المعارضة المصرية
- ونعود لنتحدث عن البرادعي ومأزق الحزب الحاكم.. مما لا شك
فيه أن ظاهرة البرادعي ونيته للترشح لمنصب رئيس الجمهورية قد
قلبت الموازين وأربكت الحسابات بالنسبة للحزب الوطني الحاكم،
فقبل ذلك كانت الأمور تسير كما هو مخطط علي أساس اجراء
الانتخابات الرئاسية حسب التعديلات الدستورية المعمول بها
الآن مما سيحول دون ترشيح
أي من المستقلين، فقط سينافس عدد من الشخصيات المنتمية
لأحزاب المعارضة الورقية الموجودة علي الساحة والتي يزيد
عددها علي العشرين حزبًا لا يعرفهم أحدًا.
وسيقدم الحزب الوطني مرشحه في إطار جدل واسع حول التوريث وهل
سيترشح الرئيس أم سيرشح الحزب نجله جمال رئيس لجنة السياسات
وأمين مساعد الحزب لتولي المنصب. ومهد النظام لذلك منذ فترة
بحملة اعتقالات واسعة لجماعات الإخوان المسلمين المحظورة في
القاهرة والمحافظات، قُدم بعضهم للمحاكمة واعتقل البعض بموجب
قانون الطوارئ، مبينا أن البدائل محصورة إما في الحزب الوطني
بفكره الجديد أو الإخوان بفكر متشدد يميل للتطرف.
في ذات الوقت تم التلاعب والتدخل المباشر في النقابات
والاتحادات والنوادي الفئوية وأسفرت الخطة علي الإتيان
بمجالس لهذه المؤسسات تعمل في أغلبها لخدمة الحزب الوطني .
أما بالنسبة لأحزاب المعارضة فقد اتبعت معهم سياسة العصا
والجزرة المعهودة وبهذا تصور الحزب الوطني أن الساحة
السياسية تم ترويضها وتقليم أظافر المارقين فيها وقد نالت
الحركات الجماهيرية مثل كفاية وشقيقاتها نصيبًا من هذا. وجاء
البرادعي فتداخلت الأوراق إذ إن أول المطالب التي نادي بها
المؤيدون له هو ضرورة إجراء تعديلات دستورية وقصر مدة
الرئاسة علي فترتين فقط، وأيد الكثيرون حتي ممن لا يقفون مع
البرادعي هذا المطلب مما جعل تصريحات قيادات الحزب الوطني في
هذا الشأن متضاربة. أظهرت أيضًا عودة البرادعي أن هناك
إمكانية لبديل ثالث بعيد عن الفساد الذي صاحب تحكم الحزب
الوطني في السلطة وبعيدًا أيضًا ما يشاع عن تشدد وتطرف
الإخوان المسلمين وعدم وجود برنامج أو رؤية سياسية محددة
لهم.
وأصبحت أحزاب المعارضة في وضع لا تحسد عليه إذ تبين أن إعلان
النية في الترشيح من شخصية عامة قادمة من بعيد أن هذه
الأحزاب لا تملك الرمز أو الخطة أو المشروع القادر علي خوض
غمار المنافسة علي الاستحواذ علي ثقة الجماهير، فبادرت
بمحاولة التنسيق لكنهم دخلوا المحاولة مرتكزين علي أسس
الخلاف وليس الاتفاق حتي علي الحد الأدني.
وظهرت مبادرات مثل الدعوات لوقفات ومسيرات من أجل جمهورية
برلمانية. لكنهم أعلنوا موافقتهم علي خوض الانتخابات حتي ولو
لم يحدث تعديل دستوري في المواد 76 ، 77 ، 88 . في ذات الوقت
أعلن عن أن هناك صفقات سرية تتم بين الحزب الوطني وبعض أحزاب
المعارضة كان أولها مع حزب الوفد الذي قبل التنسيق وعدم دعم
البرادعي مقابل الحصول علي 23 مقعدًا في البرلمان ونفي الوفد
والحزب الوطني ذلك لكن الإخوان المسلمين وجماعات صحفية أخري
مثل صحيفة المصري اليوم تؤكد أن الصفقات جارية وأن الوفد هو
أولها. وإن كانت المصري اليوم قد أكدت أن المقاعد الذي ستمنح
للمعارضة هي من رصيد جماعة الإخوان المحظورة فإن هذا أثار
جدلاً شديدًا وبين أن الحزب الوطني ـ لو صح ذلك ـ هو الذي
يحدد من سيدخل البرلمان وليست صناديق الانتخاب، كما أن ذلك
سيجلب انقسامًا داخل المعارضة. انقسام عام سيجعل الأحزاب
التي لن تحصل علي حصة ترفض الصفقة وتعادي الائتلاف، كما أن
الأحزاب داخليا ستنقسم بين معارض للصفقة وموافق عليها وهذا
سيسبب مأزقًا كبيرًا ليس للمعارضة فقط بل للحزب الوطني الذي
من مصلحته أن تظهر أحزاب المعارضة متماسكة في مواجهة
البرادعي حتي يوم الانتخابات.
لقد ظهر المأزق الحقيقي للحزب الحاكم في التغاضي عن فكرة
ترشيح أي مرشح آخر سوي الرئيس مبارك لاقتناع بأن أي بديل قد
لا يستطيع أن يواجه شخصيات بوزن البرادعي أو من علي شاكلته.
هذا الأمر جعل لجنة سياسات الحزب في حالة من حالات انعدام
الوزن والتردد نتيجة التخطيط لشيء ثم فجأة إلغاء هذا الشيء.
إضافة لأن التصور العام بأن البرادعي شخصية تحظي بتأييد دولي
قد يجعل من عملية التنكيل به أمر غاية في الصعوبة وخاصة بعد
حصوله عن نوبل وإذا كان هناك اتجاه داخل الحزب يري أن رئيس
مصر لابد أن يحظي بموافقة أمريكية وصهيونية وأعلن ذلك صراحة
علي لسان الدكتور مصطفي الفقي رئيس الشئون الخارجية بمجلس
الشعب، فقيادات الوطني تري أن البرادعي سيحظي بهذه الموافقة
بسهولة.
لهذا فإن الحزب الوطني أمام مأزق يتطلب منه إعادة جميع
الحسابات من جديد علي أن يتبع ذلك تغيير في السياسات
والممارسات والحد من الفساد ولو إلي أن تتم الانتخابات
وتخفيف القبضة الأمنية عن المواطنين وتحسين أحوال الناس
والابتعاد عن الأزمات المفتعلة التي يقصد منها شغل الرأي
العام مثل أزمة البوتجاز وأزمة السولار والأزمات الطائفية.
أن مطلب تعديل الدستور مطلب عادل نادي به كل نشطاء ومثقفي
مصر منذ انتخابات 2005 وما قبلها وهو ليس مطلب البرادعي بل
مطلب شعبي لهذا فإن التعامل معه بشكل روتيني غوغائي أصبح
أمرًا غير مقبول ولا سبيل للفكاك منه.
كما أن تداول السلطة لن يتم بصفقات في غرف مغلقة بل إن الحكم
فيه يكون لصناديق الاقتراع علي أن تكون العملية الانتخابية
تحت إشراف قضائي دون تزوير أو تحايل. إن الديمقراطية ليست
شعارات يتشدق بها أصحاب الياقات المنشأة أو رجال الأعمال في
الصالونات الفخمة بل هي ممارسة حقيقية تأتي بمن يعبرون بصدق
عن آمال وطموح المصريين. إن هذه الأمور لن يعييها اباطرة
الحزب الوطني بسهولة فمازالت نشوة السلطة تصور لهم أنهم
قادرون علي فعل أي شيء، وكل شيء.
haneen_diab@hotmail.com