انتخابات الاحتلال والطوارئ
...............................................................
 |
|
|
الاحتلال
والطوارىء |
|
بقلم : احمد عبد الحكم دياب
...............................
الأصل في العملية الانتخابية في أي بلد في العالم هو فكرة
تداول السلطة وعدم احتكارها وهذا هو المعيار الذي على أساسه
يمكن الحديث عن ديمقراطية أو ديكتاتورية والاستبداد السياسي
هو في الأساس نابع من تحكم مجموعات ذات مصالح مشتركة في
مقاليد السلطة وغض الطرف عن الفساد مما يجعلهم في رعب من غضب
الجماهير ورفضهم لسياساتهم فتسن من أجل ذلك القوانين
الاستثنائية التي تصب في مجملها في حماية النظام ومعاقبة
معارضيه ومنتقديه، واعتبار أن النظام هو الدولة وأن أي مساس
بهيبة هذا النظام هو تعريض لمكانة الدولة وانقاص من قدرها.
وفقهاء القانون منذ زمن حددوا للدولة سلطات متوازية تحول دون
التسيب أو الشطط وتراقب احداها الأخرى، لكن في نظم الاستبداد
والفساد تتوارى السلطتان التشريعية والقضائية وتسيطر السلطة
التنفيذية على صولجان الحكم دون رقيب أو قانون هذه السلطة
المتحكمة توجه في الغالب جل اهتمامها بحرمان المواطن من حقه
في إرادة سياسية مستقلة تمكنه من
ممارسة حقوقه وواجباته.
أن الحديث عن حرية الاقتراع تحكمه مقاييس ونتائج ملموسة وإلا
اصبح نوع من الأحاديث الجوفاء التي تهدف إلى تجميل صورة
الفساد وتبرير الاستبداد والظلم بأنواعه ولقد جرت في الأيام
الماضية عمليات أخذت الكثير من الاهتمام الإعلامي على
المستوى الدولي وهي الانتخابات العراقية التي جرت والعراق
الشقيق يعاني مرارة الاحتلال وقهر الاجنبي وظلم الحاقدين
والمتربصين واعداء الماضي والحاضر والمستقبل وكان أغرب ما في
الموضوع هو ابواق تشيد بنجاح العملية الديمقراطية وسلامتها
ان الاحتلال يعني أن الوطن مستباح والمواطن مكبل ومقهور
ومنقوص الإرادة والحرية.
فكيف يمكن في هذا الوضع أن تقام ديمقراطية؟ ولصالح من تجرى الانتخابات؟ ان
الهدف الأساسي مما جرى هو اضفاء الشرعية على المحتل وتحسين
صورته واظهاره أمام العالم كحامي حمى الحرية، وجعل الرأي
العام ينسى أهوال ما قام به من مجازر وتعذيب وتدمير، اضافة
لاحياء النعرات الطائفية والسير قدما في اطار مخطط تقسيم
العراق من هنا فإن الديكور في حاجة ماسة إلى شكل هزلي من
أشكال البرلمان والحكومة المطيعة التي تعمل على تنفيذ
الاتفاقيات التي وقعها العملاء مع المحتل، والدعوة لإطالة
أمد الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية.
أن مواطن لا يأمن على نفسه لو خرج من داره ولا يعلم أن كان
سيعود لاسرته أم لا أو مواطن لا يجد قوت يومه أو أسير ضمن
الألاف التي تعج بهم السجون، أو أم فقدت وحيدها أو أسرة فقدت
عائلها كل هؤلاء هل يمكن أن يمارسوا الديمقراطية وحراب
المحتل مصوبة نحو رؤوسهم أن المقاومة العراقية الشرعية
والشريفة باتت الآن تعاني من تضييق العملاء والخونة أكثر مما
تعاني في مواجهتها للمحتل، والذين يتبارون الآن في المسرحية
الانتخابية جميعهم دخلوا بغداد على متن الدبابات الأمريكية
والإنجليزية، وهم دعاة الطائفية والذين يسعون لاقامة عراق
للسنة وآخر للشيعة وثالث للاكراد فهل مثل هؤلاء يمكن أن
يؤتمنوا على مصير وطن أويثق فيهم الشعب؟
إن ما يحدث الآن من تعثر تشكيل حكومة دليل واضح على زيف
اديمقراطية المزعومة عائق آخر لا يقل خطورة عن الاحتلال في
اجهاض العملية الديمقراطية وهو تطبيق القوانين الاستثنائية
والتجديد المستمر لقوانين الطوارئ أن العمل بحالات الطوارئ
يكون في زمن الحروب أو الصراعات أو وقوع كوارث طبيعية أو
تهديد خارجي لأمن الوطن واظن هذه الحالات لا تنطبق على دولة
مثل مصر في هذه الحقبة وفي ظل حكم النظام الحالي، فالحروب
انتهت، والكوارث والحمد لله غير موجودة والعدو تم توقيع
اتفاقيات سلام معه وعلاقة النظام به مثل السمن على العسل،
فلماذا اذن تمديد العمل بقوانين الطوارئ؟
اظن أن الموضوع لا يتعلق بحماية الوطن، بل يتعلق بحماية
النظام وخاصة أن الممارسات الفعلية وتداعيات استخدام هذه
القوانين تبين أنها أداة لمواجهة المعارضة السياسية وليست
لحماية الوطن أو مكافحة الارهاب، فالاعتقال التعسفي غير
المبرر زاد بشكل مزري والتعذيب والاحتجاز غير
القانوني وانتهاك حقوق الإنسان والاستخدام المفرط للصلاحيات
من قبل السلطة التنفيذية، كل هذه أصبحت أمور لا تحتاج إلى
برهان أو تدليل .. دليل آخر نسوقه في صيغة سؤال يقول لماذا
زادت حالات البلطجة وانتشرت الجريمة بشكل ملفت في زمن تطبيق
قانون الطوارئ؟ في ذات الوقت الذي تطالب فيه المنظمات
الدولية والاقليمية والمحلية بالغاء هذا القانون ان العديد
من الدول التي تتقدم فيها التجربة الديمقراطية ترى أن اجراء
انتخابات حرة ونزيهة لا يمكن أن يحدث في ظل قوانين الطوارئ
إذ تعتبر انهما امرين متعارضين ، فالقوانين الاستثنائية تخضع
التمتع بالحقوق السياسية لقيود خطيرة ان اجراء انتخابات حرة
يتطلب حرية الوطن والمواطن معًا، فدولة محتلة يسيطر عليها
جنرلات جيش آخر لا يستقيم لمواطنيها أن تكون لديهم حرية
اختيار مثيلهم في برلمان وطني، وخاصة
أن الاحتلال قد اخذ كل الشرفاء والوطنين وتخلص منهم أما
بالقتل أو برميهم في غيابات السجون والمعتقلات ودولة تحكمها
قوانين طوارئ منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا ومنعت السلطة
القضائية فيها من مراقبة الانتخابات، لا يمكن أن تجري فيها
انتخابات ديمقراطية بعيدة عن التزوير والفساد.
ان عمليات الاقصاء المعتمد للمعارضين واعتقال جموع منهم منذ
الآن بحجة الانتماء لجماعة محظورة سيحول بلا شك دون تمكن
هؤلاء من الترشح أو الادلاء باصواتهم، كما أن القيود
الموضوعة على حرية المستقلين للترشح خاصة في الانتخابات
الرئاسية تعتبر أحد أهم عقبات ممارسة ديمقراطية حقيقية تهدف
لتداول سلمي للسلطة لقد فقدت الجماهير الشعبية ثقتها في
الانتخابات والأشكال السياسية الموجودة بناء على
تجربتها المريرة في الانتخابات السابقة التي كانت سمتها
الرئيسية التزوير والغش والقهر ان الحزب الحاكم في مصر لم
يحصل في الانتخابات السابقة إلا على أقل من %40 من مقاعد
البرلمان، لكن السلطة التنفيذية
مستخدمة سياسة العصا والجزرة استطاعت أن تجعل هذه النسبة تصل
إلى %80 فهل هذه ديمقراطية؟
haneen_diab@hotmail.com