الجزء الثانى من حوار أفنان القاسم مع مصرنا
...............................................................
أجرى الحوار: مسعد غنيم - من
القاهرة وغريب المنسي - من واشنطن
مع ياسر عرفات بدأت تصفية القضية الفلسطينية تتحقق
في مكاتب الموساد
, والموساد يرانا كالقطيع نركض إلى
ذبحنا الذي كنا نظنه قربان العودة والتحرير..
السؤال الأول
من الجزء الثاني من لقائنا:
ذهب أفنان القاسم للقاء عرفات في تونس، فمكث أربعين يوما
منتظرا لقاء الزعيم، ولم يلتقِهِ، وخرج من تونس ليكتب رواية
"أربعون يوما بانتظار الرئيس" تعرض فيها للشلة الفاسدة
المحيطة بالرئيس!! وذهب أيضا في نفس الوقت لمقابلة عرفات في
تونس سعيد أبو ريش، الصحفي الفلسطيني الأشهر في الولايات
المتحدة، وقابل عرفات، وخرج ليكتب كتاب عن عرفات أسماه
"عرفات من مقاوم إلى ديكتاتور" ARAFAT: FROM DEFENDER TO
DICTATOR وصف فيه عرفات بأنه أول من وضع قضية الشعب
الفلسطيني على الخريطة الدولية ولكنه في النهاية تحول إلى
شيخ قبيلة!! وأجمع المراقبون أيضا الرأي على أن عرفات بدأ
بداية جيدة في الكفاح، ولكنه تدريجيا تحول إلى قائد غامض!!
هل يمكن لك أن توضح للقارىء العربي وبتفصيل مشكلة عرفات
كقائد وكسياسي وطريقته في إدارة الصراع الفلسطيني؟
|
 |
|
|
مع ياسر عرفات بدأت تصفية القضية الفلسطينية تتحقق
في مكاتب الموساد والموساد يرانا كالقطيع نركض إلى
ذبحنا الذي كنا نظنه قربان العودة والتحرير |
|
* في البداية لم تكن كل أوراق
ياسر عرفات قد كُشفت بعد، ياسر عرفات بعد هزيمة 67 أتى كسر
من الأسرار الذي شاع فجأة، كانت ثورته قد بدأت قبل عامين من
النكسة دون أن يسمع بها أحد، وكأن النكسة ما جاءت إلا
لإشهاره، وكأن الهزيمة ما كانت إلا لانتصاره، وكأن اليأس
والموت والظلام ما عرفها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية
إلا لتعرفه وتعبده وتعبّد له الطريق إلى الأمل والحياة
والنور، لم يكن أحد يعرف من أين جاء ولا من هو وما هو اسمه
الحقيقي... "أبو عمار"، شخصية سرية ولكنها على علاقة بكل
إرثنا الشعبي القصصي الشهرزادي كان يا ما كان والشاطر حسن
وعنترة، وشخصية محورية مثل كل شخصيات الأساطير التي عمادها
الاسم قبل الفعل، الاسم يمكنه أن يكون لكل واحد، والفعل
سيضفي عليه الخيال ما يضفي، والخيال العربي خصب. مع ياسر
عرفات وحطته وعقاله الثوريين حقق الفلسطينيون والعرب
انتصارهم الوهمي الثاني على إسرائيل بعد انتصار راديو صوت
العرب، كان الكل يغرق في غائط الهزيمة سعيدا. مع ياسر عرفات
خرجت الأنظمة العربية لأول مرة منتصرة على شعوبها فعلا بعد
أن رفعها على كتفيه وأعطاها نفسا جديدا ووجودا قمعيا فريدا.
مع ياسر عرفات بدأت تصفية القضية الفلسطينية تتحقق في مكاتب
الموساد والموساد يرانا كالقطيع نركض إلى ذبحنا الذي كنا
نظنه قربان العودة والتحرير. لكل هذه الأسباب، وأنا أول من
كان يعتقد ذلك، كان ياسر عرفات الثائر المنقذ والمحرر. لم
نكن نعرف أن للتاريخ مهرجا، وأننا حذاء حريري إسرائيلي لا
أكثر ولا أقل في قدم ياسر عرفات. هذا هو المقاوم الموهم الذي
كانه ياسر عرفات، والغرب الذي يعرف جيدا من كان هذا الرجل
ولأي غاية هو هنا، عمل على إذاعة صيته دوليا، واعتباره هو
قضية فلسطين. كانت قضية فلسطين بالنسبة لهم قضية عرفات،
وكانوا يدافعون عنه بقدر دفاعهم عن بيريز أو رابين أو بن
غوريون، فعرفات بالنسبة لهم كان الاعتراف خطوة خطوة باسرائيل
دون مقابل، وخاصة فرضها على الضميرين العربي والفلسطيني من
خلال مراحل صعود نجمه –ولا أقول مراحل سقوطه في اُغْوِية
أوسلو- كهوية وكيان ووجود لن يزول. إذن البداية الجيدة في
الكفاح كما تقول كانت ما توهمناه نحن عنه، هاري بوتر الذي
كتبناه جماهيريا، خيالنا المريض الذي أنتجه، والذي استحق
عليه جائزة نوبل بكل جدارة. أما تحوله تدريجيا إلى قائد
غامض، فهذا لم يحصل أبدا، هو بقي على عهده، ونحن الذين
تحولنا، بدأنا نفتح أعيننا، نشم العفن، نقف على الخديعة، نحس
كيف فلسطين تذهب من بين أيدينا. شيخ القبيلة الذي تتكلم عنه
أو رئيس الشلة أو الدكتاتور أو العراب، عرفات كان كل هذا منذ
البداية، لم يتغير فيه شيء حتى مماته، لكنه كان من الدهاء
بحيث أتقن الدور المرسوم له إتقانا يفوق كل خيال، فغدا متعدد
الأشكال والألوان. هكذا كان السياسي والقائد متعددا، كان
لدينا عدة سياسيين فيه وعدة قادة على رأسهم "القائد العام"
اللقب الذي كان لموسوليني وفرانكو وهتلر، والذي يفرضه
كديكتاتور غير مضحك ويسوّغ لكل أفعاله الأخرى الجادة كمتعدد
وكمُتَدَشْدِش يجوز له ما لا يجوز لغيره ولغيره معه كل شيء
جائز، بمعنى الانتهازية الكبرى في التعامل، مع الشيوعيين هو
شيوعي ومع الإخوان هو إخواني مع صدام هو صدامي ومع الأسد هو
أسدي مع الخميني هو شيعي ومع ميتران هو اشتراكي إشراكي
مشتركي، لم يكن له موقف كان موقف كل ذي أمر، ومع مأموريه كان
كل أمر، من فنجان القهوة إلى ذلك الادعاء الجسيم: تحرير
فلسطين. بدولارات السعودية كان يحكم وكان يرجم وكان يعلي
وكان يلغي، كان يدير أطراف الصراع الفلسطيني بكمشة دولارات
لحواتمة وأخرى لحبش وكان يعرض دولاراته حتى على الملك حسين
وحكام اليمن الجنوبي. كانت دولارات السعودية والخليج طريقه
إلى تحرير فلسطين وتحرير الذات وتحرير هونولولو وتحرير القمر
وحتى تحرير إسرائيل، فأول شيء فعله بعد أوسلو القيام بمشاريع
بمئات ملايين الدولارات مع شركات وبنوك إسرائيلية.
السؤال الثاني:
لا تخلو جامعة أمريكية أو غربية من أساتذة ومفكرين وعلماء
سياسة فلسطينيين أشهرهم وأجدّهم على الإطلاق الدكتور رشيد
الخالدي، الأستاذ في جامعة كولومبيا، والتي يرأس فيها كرسي
ادوارد سعيد.. وفى نفس الوقت على أرض الواقع نجد القيادات
الفلسطينية تكاد تكون محدودة ثقافيا وعلميا وأدبيا
واجتماعيا!! فهنية كان مدرس ثانوي وعباس مهندس محدود ودحلان
وجبريل الرجوب يحملان مؤهلات بالكاد تساعدهما على القراءة،
وهؤلاء جميعا يمكن أن يطلق عليهم "أبناء الواقع على الأرض" -
Street Smart- فكيف تتم المعادلة
الصعبة، وهي دمج أفكار المفكرين مع أفكار المقاومين في
الخروج بصيغة أكثر جدية لمواجهة غطرسة الدولة العبرية
وبالذات اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وليبرمان؟
 |
|
غيفارا
الطبيب الثوري انتصرت به الثورة الكوبية بينما أول ثورة
في التاريخ، الثورة الفرنسية، قتلت أبناءها كحال آخر
ثورة في التاريخ، الثورة الفلسطينية |
* كانت الجبهة الديمقراطية في
عمان تقول لا ثورة دون نظرية ثورية، وهذا الكلام من بين كثير
من كلام هذه الجبهة الغلط صحيح، وقد فهمه عرفات تماما، فوضع
على رأس الثورة أجهل الناس وأحطهم علما. غيفارا الطبيب
الثوري انتصرت به الثورة الكوبية بينما أول ثورة في التاريخ،
الثورة الفرنسية، قتلت أبناءها كحال آخر ثورة في التاريخ،
الثورة الفلسطينية، بسبب الفراغ النظري ولا ثورية النظرية
التي كانت تتراوح عندنا بين الارتجالية والدينية والمحسوبية،
وبالطبع كان متعمدا كل هذا، كيلا تحقق الثورة أي هدف من
أهدافها.
أما كيف أصحاب العلم والمعرفة الثورية وأصحاب البندقية
يلتقون؟ من الطبيعي أن يلتقوا عندما تكون هذه البندقية
بالفعل صادقة غايتها الانعتاق والاستقلال، ولم تكن هذه حال
البندقية الفلسطينية. كان عرفات يفسد كل صاحب علم بالمال أو
الجاه، وهذا وضع معظم ناس العلم الذي زيفوه والمعرفة التي
قلبوها جهلا، وكان البعض الذي تركه مثلما فعل إدوارد سعيد
عندما استقال من المجلس الوطني ليصرخ في الوادي وحده، وكانت
القلة مثلي التي صرخت منذ البداية ولم تزل تصرخ إلى أن تدخل
صرخاتها في صدور الناس. ولكن كل هذا لا يكفي دون الحزب
الثوري والبرنامج الثوري والشرط الثوري شرط ثورة قادمة جامعة
للمفكرين والمقاومين. أقول قادمة بدافع تفاؤلي البنيوي، ولكن
ليس غدا أو بعد غد. لأن نتنياهو وليبرمان هما الإنتاج
الموضوعي للمرحلة، ابنا الظرف، ونموذجا الشرط، الظرف العربي
العالمي والشرط الفلسطيني الذي آه ما أسوأهما! فهؤلاء أناس
يعملون لما يجري في الحاضر منذ عشرات السنين، يقحمون أنفسهم
في سيرورة الشعوب ليسيروها على هواهم، ويفرضون أنفسهم على
التاريخ، يملون على التاريخ إرادتهم، فيغدو تاريخهم، أي لا
تاريخا. هذا ما تعمل عليه العقول الإسرائيلية من أجل بقاء
إسرائيل ولا علاقة هنا باليسار أو باليمين ولا علاقة هنا
ببيريز أو بنتنياهو، إنه لصراع وجودي بالنسبة لهم، وهم
يعرفون جيدا أنهم قاموا على خطأ تاريخي، وأنهم سيزولون ما أن
يقوّم مسار التاريخ، ويسير سيرا صائبا، فعلى التاريخ إذن أن
يبقى سائرا على خطأ ليبقوا.
السؤال الثالث :
ادوارد سعيد وغسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح
القاسم وغيرهم الكثير من الأسماء ما قد لا تسعفني الذاكرة..
كلها شخصيات فلسطينية حاولت في فترة ما أو أخرى أن تساهم في
المقاومة. ولكل من هذه الشخصيات شعبية في أوساط الشعب
الفلسطيني . هل يمكن لك أن تصف كل واحد منها في ثلاث جمل أو
أربع، فلا داعي للتطويل لأننا في الواقع نحتاج إلى كتب لفهم
هذه الشخصيات سواء اتفقنا معها أو اختلفنا؟
 |
|
|
كل الشعر المدعو بشعر المقاومة مرتبط بالمناسبة،
رفضه درويش ومحاه القاسم، وأنقذ الموت بسيسو من أن
يفعل مثلهما! ليس المهم ماذا ترك محمود بعد موته ولكن
من ترك من ورائه ليواصل مسيرة الشعر: أحمد دحبور شاعرا
لعباس مثلما كان محمود درويش شاعرا لعرفات؟ |
|
* تلات جمل أو
أربعه ما بكفي، هادي مناسبة بعد رفضي المتواصل للقاءات كهذا
اللقاء بحجة كل الأجوبة موجودة في كتبي، وخلينا نحكي...
سأبدأ بغسان كنفاني احتراما مني لهذا الرجل ولمنطق التسلسل
التاريخي، فغسان هو الأقدم عمرا وتجربة، في السياسة كان
رياديا وفي الرواية كان رياديا، وكان الموت له ريادة سحرية.
إنه من نوع أولئك النجوم الذين ماتوا بشكل طارئ وفاجع وهم في
أوج الشهرة والشباب. فتحول كل منهم إلى أسطورة في الذاكرة
والخيال. وأعتقد أن غسان لو بقي حيا لما أدخل الرواية
الفلسطينية والأدب الفلسطيني في ساح التخييل العربي والعالمي
بهذه السرعة، ولما دفع النقاد إلى الاهتمام بالقضية السياسية
التي ذهب ضحية من أجلها، هذا رد على الذين اغتالوه عندما
أذهب أدب غسان كل حساباتهم الدنيئة هباء منثورا. لكني كأول
دارس لغسان وحاصل على شهادة الدكتوراه الأولى عن أعماله لدي
بعض الملاحظات التي لم أقلها في أطروحتي البعيدة، وأقولها
اليوم بعد حوالي 35 سنة بخصوص رواياته الثلاث "رجال تحت
الشمس"، "ما تبقى لكم"، و"أم سعد". أعتقد أن ما تبقى لكم
الرواية الوحيدة ليس بين هذه الثلاث الروايات بل بين أعمال
كنفاني كلها التي صمدت وستصمد أمام عوامل الزمن الروائي
ومتاهاته السردية. ليس هذا لأنها تنهل من فوكنر ما تنهل ولكن
لأنها نجحت فيما أدعوه "بالفعل المتعدي" (action transitive)
فعل يتعدى إلى شيء آخر ويؤثر فيه. إن الأخت التي تروي تلخص
كل التجربة الفوكنرية في "الصراخ والغضب" بعد أن جعلت منها
تجربتها، وتنطلق منها مستقلة عنها، لهذا ما نسمعه من آهات في
البداية هي آهات الأخت في رواية فوكنر وما تقترح تلك الآهات
من ارتكاب للمحارم، ثم تتعداها آهات بطلة غسان إلى آهات ذل
المخيم وبؤسه، وتؤثر على طريقتها فيه، فيغدو القارئ نهبا
لها، ولأنها عند كل قراءة ومع كل قارئ ومهما ابتعدنا في
المستقبل ستثير جملة من الأحاسيس المتناقضة لن أتردد عن قول
إن بعضها شبقي ومستعر وفي الوقت ذاته ممجوج وكريه. إنها
دوافع بؤس أقسى من ارتكاب المحارم الآهة فيه تهز الإنساني
فيك، فتلهبك وتلهيك. أما آهات أم سعد مثل ضحكاتها فهي من صنع
كنفاني فرضها فرضا على سياق تَخَيَلَهُ لهُ موقفهُ الثوري
وخاصة موقعُهُ الثوري، فلا شيء مما تفعله أم سعد على علاقة
بواقع المخيم الثوري إلا في ذهن غسان، فأين هذا المخيم
اليوم؟ وما أنقذ الرواية حين صدورها من الفشل المفردة
الشعبية التي يتقن غسان صياغتها، هذه المفردة مع تفاقم
الفاجع الفلسطيني تدفع اليوم إلى الابتسام. وبخصوص رجال في
الشمس يمكنني قول ما قلته عن أم سعد لكن الصرخة عند آخر
الرواية "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" هذه الصرخة السؤال
تتجدد يوما عن يوم طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل،
ودون هذه الصرخة دون هذا السؤال الوجودي لماتت الرواية في
مهدها.
محمود درويش فهم ما أقوله أحسن فهم، لهذا رفض كل كتاباته
الأولى عن قهوة الأم والزعتر والهوية، ولم يقبل بلقب شاعر
المقاومة، فقد كان يركض من وراء الفعل الشعري الذي يتعدى إلى
شيء آخر ويؤثر فيه، الحنين إلى الأم وقهوة الأم وخبز الأم كل
هذا لا يتعدى إلى بطن الأم والحبل وتفجر صور المخاض وعسر
الولادة، لا يتعدى ذلك إلى صورة أمه نفسها عندما مات،
القعيدة ذات المعالم المتنافرة المتضاربة المتصارعة بين
الحزن والفرح في غبار الجنازة، هذه الصورة أقوى رسما وأعمق
إنسانية وكونية من صورة الخابزة وصانعة القهوة، لكنه مات ولم
يرها. مشكل محمود الكبير كان في موقفه الذي تحكم به موقعه
وأثّر هذا في شعره، فهو كان ابنا للسلطة، وأينما حل صديقا
لها، إنه ياسر عرفات الشعر، كان يُستقبل في دمشق والدوحة،
وكان يقبل بجائزة مبارك وبن علي، لهذا ظلت قصيدته في خزان
كنفاني دون أن تطرق الجدران، قصائده كلها لا تتعدى حدود
الاستعارة. عندما انتقدت صمته في كتابي أربعون يوما بانتظار
الرئيس تحت استعارة من قُطع له لسانه، رد عليّ بعد صمت طويل
فرضه عليه منصبه في اللجنة المركزية بقصيدة أبي عبد الله
الصغير، لكنه كان ينفي دوما أن المقصود هنا عرفات، إنه
الموقف الذي يخضع للموقع، وعندما رميته بتهمة المغني في
مقالي الشهير عنه، رد عليّ نافيا في لاعب النرد، فكانت آخر
قصائده لي.
أما عن سميح القاسم فحدث! يسمي نفسه اليوم "شاعر العروبة"!
طبعا "شاعر المقاومة" الذي كانه بعد أن شطب من أعماله بعد
أوسلو كل ما يمت بالمقاومة بصلة لم يعد له أي معنى. هذه
الكنية الجديدة لو كانت عندما كان شيوعيا لاعتبرتها ثورية
ولهنأته عليها لأنها تقول عن فلسطيني في إسرائيل شاعرا
للعرب، ولكن ما تعنيه في عرف شيوعي تنكر لشيوعيته وأصبح أخا
مسلما ونظر إلى نفسه نظرة الدرزي في ماء البئر شيئا آخر على
علاقة بالمللية والطائفية التي هي على الموضة اليوم: أيها
العرب أنا درزي وأنا شاعركم! فصيح اللسان أنا وفصاحتي من
فصاحة بني قريش، لهذا أبزكم جميعا! هذا التعالي المللي على
حساب اللغة العربية لهو انحدار إلى أوطأ درك لمن يسعى إلى
تجسيم الفكرة في كلام، ولمن كانت له الكليات تركيبات من صنع
العقل، نعم حتى في الشعر، وغدت تركيبات من صنع التكايا ورخام
القصور. عندما سألت أحد الأصدقاء إذا ما سميح جُن، أكد لي
ذلك، جننته الدولارات قال لي، في البداية دولارات أبو عمار
واليوم كل من يدفع، فقصائده التي لا قيمة لها يقولها في واحد
اسمه عبد الله الثاني أو آخر اسمه بن علي، ولشيخات الخليج
لديه قصائد في المتعة الدينية والمنعة الأنثوية عندما تهرق
البكارات على حواف آبار النفط. لقد باع سميح كل الحضارة التي
ظننتها فيه بكمشة دولارات، وهو اليوم سفير إسرائيل لدى
الحكام العرب، فالتطبيع يجري على ظهره، وحرس الحدود
الإسرائيلي يعامله كما لو كان ابنا لبيريز، يغادر إلى تونس
ومكة ودمشق في أي وقت يشاء ويعود إلى تل أبيب في أي وقت
يشاء، مثله مثل محمود درويش بعد قيام دولة مراحيض رام الله
كان يدخل اسرائيل ويخرج منها في أي وقت يشاء حتى إنه كان
فيها ساعات قليلة قبل سفره إلى أمريكا، وهذا امتياز لا يحصل
عليه إلا المحظوظون المدللون من أبنائنا وإخوتنا عرب 48 وعرب
67 الملعون سماهم بالستين!
معين بسيسو مسكين! أذهبه ياسر عرفات ومحمود درويش بشربة ماء،
كان شاعرا ممتازا وغبيا في الوقت نفسه مع الأسف، كان مسعاه
الدائم أن يظفر بالحظوة لدى عرفات دون درويش، ولكنهما تآمرا
عليه، خاصة عرفات الذي خذله عندما اقترح جائزة لينين لصاحب
العينين النسائيتين فقتله. موت بسيسو تراجيدي كموت كنفاني
ولا أحد تكلم عنه وموته لم يكن له الأثر نفسه على أعماله،
فالمؤامرة عليه استمرت حتى ما بعد موته، هذا الموت الذي قُدم
على أساس أنه نتيجة لاحتساء كميات كبيرة من الويسكي. بالنسبة
لي كان موت معين انتحارا! التقيته مرة أو مرتين في فندق
شيراتون خمس نجوم في باريس، كان ومحمود وغير محمود على موعد
مع رئيس تحرير جريدة لو موند، وكاد يحطم الدنيا على رأس
إبراهيم الصوص ممثل عرفات آنذاك في فرنسا لأنه تأخر بهم عن
الموعد. علاقته بالسلطة من الداخل دوما بطبع الهياب المتردد
في مواقفه المتقلب، إقرأ مقالاته في بيروت تجدها وكأنها كتبت
بأقلام متعددة، صورة من صور "القائد العام" هو، وكل ما كان
يكتب لم يكن دافعه الوهم بل التوهم لأجل إرضاء عرفات وعرفات
فقط.
المحير في إدوارد سعيد أنه كان نجما في الغرب وظل نجما في
الغرب على الرغم من الحملة التي شنتها عليه أقلام إسرائيلية
مأجورة، كان هو الآخر نوعا من ياسر عرفات العلوم الإنسانية،
وكنت أتساءل دوما لماذا كل هذا الاهتمام بإدوارد سعيد غربا،
على الرغم من نقده للغرب خاصة في كتابه الإستشراق الذي شهره
وقدمه وأبرزه. بالطبع كلام الإنشاء فيما يخص المفكرين العرب
عن كتابه هذا أنه "يمثل جزءا من ثورة جديدة للدراسات
الإنسانية تضرب جذورها في الماركسية والثورة الألسنية
والبنيوية" حسب كمال أبو ديب، هذا الكلام لا علاقة له بعلاقة
إدوارد سعيد بالغرب أو الغرب بإدوارد سعيد على الإطلاق، أولا
لأن هذا الكلام ليس صحيحا، ففوكو ليس معيارا لهذه الثورة
الجديدة بنفي سعيد نفسه، وكتابه التأسيسي لم يكن أبدا
أركيولوجيا المعرفة الذي اعتمده سعيد وإنما الكلمات
والأشياء. المهم ليس هذا ما أريد الوصول إليه، ولا أريد أن
أحكي عن منهجيته وطريقته في التحليل، سبق لي وحكيت عنهما في
مكان آخر، أريد أن أوجز سبب اهتمام الغرب بكتاباته التي لا
أشكك في الجهد الذي بذله إدوارد فيها والعلمية التي توخاها،
السبب برأيي هو الظرفية (contextualité) أو إن شئت السياقية
التاريخية والسياسية التي صدر فيها كتاب الاستشراق، والذي
يعرضه إدوارد ويحلله تاريخيا وسياسيا، ويصل إلى أنه
أيديولوجيا الاستعمار الغربي للشرق، وهذا صحيح إذا ما جرى
التفريق بين مستشرق يجري إعداده في دهاليز السي آي إيه
ومستشرق يؤدي رسالته العلمية في أروقة هارفارد والسوربون
–الاستشراق لا يقول هذا والتعميم في الكتاب من الصفحة الأولى
إلى الصفحة الأخيرة- وهذا ما كان الغرب، أمريكا على الخصوص،
تريد نشره وترويجه وتأكيده لظرف سياسي تعمل على أن يكون
ظرفها عندما بدلت الصراع بينها وبين الاتحاد السوفياتي إلى
صراع بينها وبيننا. نعم، هذه أنا، تريد أن تقول أميركا من
خلال كتاب إدوارد سعيد، إن شئتم أم أبيتم، سأدق قرنيكم
بنعلي، وأستولي على بلادكم وثرواتكم! إدوارد لم تكن له في
الزفة لفة! ولو كان يعلم أن ظرفية كتابه هي هذه لما كتبه أو
على الأقل لما نشره.
.............
أود أن أختم هذا الجزء الثاني من حديثنا بكلمة عامة عن نوعية
المثقفين التي هي من نوعية الشخصية الهزيلة لياسرعرفات
المثيرة للضحك في مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا في تونس، الكل
وقف له ولبن علي الذي كان يمضغ العلكة إلا أنا، إسألوا يحيى
يخلف الذي رماني بنظرة احتجاج ودهشة يقول لكم، والكل صفق له
ولبن علي إلا أنا، كان خطاب عرفات (التاني مش أحسن) مكسر
اللغة لا شيء فيه مفهوما أو مترابطا، هذه هي عينة المثقفين
العرب وغير العرب المعجبين بعرفات إعجاب المثقفين الأميين
الطليان بموسوليني. وعلى عكس كنفاني، عملوا على فقد الوعي
بالذات بالعالم بالمعنى، بدلوا الرمز، وحرفوا الفكرة، وشوهوا
الجمال، حلت الأنانية محل بذل الذات والعمى الديني المدعو
ويا للمفارقة بالصحوة محل الرؤية العلمية والبصيرة الثاقبة.
أين هي الثورة في السينما والمسرح والفن التي رافقت الثورة؟
أين الثورة في الرواية؟ في الشعر؟ كل الشعر المدعو بشعر
المقاومة مرتبط بالمناسبة، رفضه درويش ومحاه القاسم، وأنقذ
الموت بسيسو من أن يفعل مثلهما! ليس المهم ماذا ترك محمود
بعد موته ولكن من ترك من ورائه ليواصل مسيرة الشعر: أحمد
دحبور شاعرا لعباس مثلما كان محمود درويش شاعرا لعرفات؟ ومن
عجائب الزمن العرفاتي وأبعاده التراجيدية المقلقة أن تعرف أن
من "حافظ" على تراثنا الشعبي وكنزنا التقليدي الإسرائيليون
عندما سرقوا هذا الكنز وذاك التراث وادعوا أنهما لهم.
وللحديث بقية...
12/02/2011