 |
|
 |
| |
عاد الخبير يا عزيزي من الجولة ... فأقدمت أنا على تلك العملة
...............................................................
بقلم : أحمد فوزى
....................
حدثنا ابن حسونة البرعيّ عن سعيد الشافعيّ عن عبد القادر بن
أبي خليل عن أحمد بن اسماعيل أنه قال: " كان لابد لي ان أحضر
ذلك اللقاء الذي أقيم بدار الأوبرا في تلك المناسبة العظيمة
الكبرى، فما إن عرفت بخبر هذه الوليمة الفكرية حتى تركت
البيت والعيال و[الولية]، وأسرعت مهرولا كي أحجز لي مكانا
ولو في [ الحفرة] أو كرسي إضافي في الممر أو حتى في القاعة
الأخرى، ودفعت [يامحترم] من قوت [العيال] ثلاثمائة جنيه فلا
تصرخ وتقول لي [هه .. على إيه]!! فخبير التنمية البشرية كان
قد عاد من جولة في الصين وماليزيا واليابان ولاشك أنه
سيمتعنا بآخر ابتكارات شرق آسيا ويشنف الآذان، فالموضوع له
في هذه المرحلة غاية الأهمية ولذلك أقبلت دون تردد على
[العملة ديّه].
" عندما وصلت كانت القاعة قد امتلأت على الآخر [فتوغوغشت]
وقلت يا ساتر، وتدحرجت للحفرة يا ابن أبي خليل عبر الممر
الجانبي الطويل، ودخلت وسط الزحام من الباب وانحشرت في
الكرسي بعد أن تخطيت الرقاب، وبعد أن اطمأن قلبي نظرت لمن
يجلس جنبي، فوجدت عن يميني رجل مهيب الطلعة وقور الصلعة،
ووجدت عن يساري إمراة يحتار المرء في وصف حسنها ويتبلبل
الذهن إن حاول تقدير سنها، فهي ليست في عمر الزهور لكن لها
جاذبية بنات الحور، فهل ذلك من تأثير عطرها؟! أم هي الطريقة
التي صففت بها شعرها؟! المهم أنني اطمأننت إلى حسن الجيرة
وإن ظل بالنفس شيء من الحيرة، فاستعذت بالله من الوسواس
الخناس إذ أطفات أضواء القاعة واحتبست الأنفاس، وظللنا في
الظلمات بضعة دقائق ثم أضيئت المنصة لكي تتبدى الحقائق.
" دخل الخبير المشهد تصحبه الإضاءة المركزية، فاستقبله
الحضور بالتصفيق وأتحفوه بباقات الورود هدية، ووقف مختالا
كالطاووس قبل أن يدعوه مستقبله على المنصة إلى الجلوس،
واستطرد المقدم في عرض انجازات الخبير ومؤلفاته وصولاته في
بلاد العالم وجولاته، واستمر على ذلك نحو نصف الساعة والخبير
يتململ في جلسته وكأن [عليه بيضة ] والحضور قد أصابهم اليأس
وأصبح حالهم [ عيضة ]، وأخيرا تنازل عن الميكرفون وكأنه يودع
محبوبته في مرارة ولم يكن ينقصه إلا أن يقبل [الإيكواليزر]
والكابل بكل حرارة، وخرج وهو يجر رجليه وتركنا وحدنا للخبير
الذي قفز فجأة واقفا على قدميه، وتقدم إلى حافة الخشبة بتهور
فظننت أنه سيسقط علينا في الحفرة و[ يتكعور]، لكنه أمسك نفسه
بالضبط عند الحافة فتبينت مقدار ما هو عليه من النحافة،
واسمح لي يا ابن أبي خليل هنا بوقفة حتى أوضح لك هيئة الخبير
ورسمه ووصفه.....
" طوله لايزيد بقياس السنتيمتر عن المائة والستين ووزنه
بالكيلوجرام لا يتعدى الخمسين، يرتدي بدله من الكتان لونها
غريب يشبه قشر الرمان، وقميص أبيض له ياقة كبيرة منشاة تتعدي
منتصف الرأس من ناحية قفاه، ورباط عنقه أحمر فاقع ومنديل في
جيب سترته من الستان اللامع، وفي قدميه حذاء أسود من النوع [
الأجلاسيه ] وفي يديه اكسسوارات كثيرة لست أدري [ إيه ولا
إيه ]
" أما شعره فقد صبغه بالحنة ودهنه [ بالجيل ] وأما أنفه فما
قل ودل، وأما عيناه فجاحظتان لهما بريق وأما [حنكه ] فواسع
كبير كي يقوى على [ الزعيق ] ، أما أذنيه [ فمطرطقه ] أما
حواجبه الغليظة فهي الوحيدة غير المنمقة.
" وقفته كما ذكرت كما الطاووس وحركاته سريعة مفاجئة كالممسوس
المهووس، فهو يذهب ثم فجأة يعود ويهم ثم فجأة ينغرس
كالعامود، وما إن يجلس حتى يهب على قدميه وتخاله وهو [ يشوح
] وكأنما [ سيتشقلب ] ليمشي على يديه، يكشر ثم فجأة يبتسم،
يصرخ ثم فجأة [ ينكتم ]، وهكذا هو على هذا الحال حتى أصاب
العبد لله وغيره [ بالروشة ] والخبال، لكن دعنا من هذا يا
ابن أبي خليل وتعال أطلعك على خلاصة ما ققد قيل.
" تختلف نظرة الخبير عند زيارته للبلدان عن نظرة غيره من بني
الإنسان، فهو لا ينظر ليرى كما نرى لكنه يقلب المشهد من
الأمام ومن [ ورا ] ، وهو لا تبهره المناظر الجميلة عن
التفاصيل الدقيقة لأنه يبحث بين السطور عن العلّة والحقيقة،
فهو يريد أن يسبر الأغوار حتي يعود فيكشف لنا الأسرار، فما
أصابته البلدان المتقدمة من النجاح له سبب هو ما يبحث عنه
حتى يقودنا إلى الفلاح، وهو يؤمن بأن السبب يكمن في الإنسان
دائما وأبدا و [ مهما كان ].
" صمت الخبير بعد تلك المقدمة للحظات، ثم قفز ووثب ونط و[ فط
] وأتي في آن واحد بكل الحركات، ثم قطب الجبين و[ زغر ]
بعينيه، وقوّس بشكل مرعب أصابع يديه ، فظننت أنه إنما يستحضر
الأرواح، لكن فجأة ذهب كل هذا وراح، واتسعت ببطء على [ حنكه
] ابتسامة الرضا وكأنه الراضي بالقضاء و[ القضا ] ، وقال في
صوت حنون : السعادة !! كن سعيدا !! وفجأة أشار بسبابته وطوح
ذراعه بعيدا، وأطلق من حنجرته [ جعيرا ] وصاح : كن ناجحا
تحصد النجاح!!
" واستمر اللقاء قرابة ساعة ونصف من هذا العذاب فأدركت أن
هناك من [ دعا عليّ ] فحق عليّ العقاب ، أتراها المرأة التي
في البيت؟! أم نفسي اللوامة على الثلاثمائة جنيه التي [ كعيت
] ؟! فما جنيت من جولة الخبير في شرق آسيا إلا الرعب والفزع
من الحركات، وما نهلت من نبع التنمية البشرية الذي ارتاده
إلا مارص جنبا إلى جنب من الكلمات، وسأخبرك يا ابن أبي خليل
بشيء من العلم الذي أتحفنا به الخبير بعد تلك الجولة،
واستحلفك بالله ألا تحكي لأحد عن خيبتي [ القوية ] من تلك [
العملة ].
" حدد الهدف .. تصل إلى الهدف..
" إنما تكون الإرادة ... بقوة الإرادة ...
" كن واقعبا .. وأنت تتعامل مع الواقع ..
" أسباب المشكلة ... هي السر وراء المشكلة ..
" يوجد الجانب الطيب في البشر .. كما يوجد الجانب السيء
أيضا.
" المناخ يختلف من مكان لآخر .. كذلك كل شيء.
" النصيحة الحقيقية هي أن تحب الناس وتحذرهم ..
" الثقة بالنفس .. هي أن تثق بنفسك.
حدثنا ابن حسونة البرعيّ عن سعيد الشافعيّ عن عبد القادر بن
أبي خليل عن أحمد بن اسماعيل أنه قال:
" لم أجد اختلافا بين العلم الغزير الذي عاد به الخبير من
تلك الجولة والذي نقلها إليّ نظير الثلاثمائة جنيه التي
غرمتها في تلك [ العملة ] وبين ما أخبرنا به عمنا ابن سودون
منذ قرابة الألف عام، بل أجد انها تتطابق معها بالتمام ،
وذلك بالرغم من أن السيد الخبير قد أنفقت الدولة عليه من دم
غلابة المحروسة لما ارسلته يجوب البلاد البعيدة، وأن ما رواه
ابن سودون كان على سبيل العبث والمجون الذي ضمنه هذه القصيدة
، فاستمع إليها ببساطة والعن معي [ أبو خاش ] الخبير وجولته
وجنونه وعلمه و[ الألاطة ] :
" إذا ما الفتى في الناس بالعقل قد سما تيقن أن الأرض من
فوقها السما..
وأن السما من تحتها الأرض لم تزل وبينهما أشياء متى ظهرت ترى
..
وإني سأبدي بعض ما قد علمته ليعلم أني من ذوي العلم والحجا
..
فمن ذاك أن الناس من نسل آدم ومنهم أبي سودون أيضا وإن قضى
..
وأن أبي زوج لأمي وأنني أنا ابنهما والناس هم يعرفون ذا ..
ولكن أولادي أنا أب لهم وأمهم لي زوجة يا أولي النهى ..
ومن قد رأى شيئا بعينه يقظة فذاك لهذا الشيء يقظان قد رأى ..
وليس يرى أعمى العيون خياله ويبصره ذو العين في الشمس إن بدا
..
ومن نام وسط الماء بالليل بلّه وليست تبل الشمس من نام في
الضحى ..
ومن أعجب الأشياء في مصر أنني نظرت لماء البحر في الأرض قد
جرى ..
بها الفجر قبل الشمس يظهر دائما بها الظهر يأتي قبل العصر
يلا مرا ..
وفي الشام أقوام إذا ما رأيتهم ترى ظهر كل منهمو وهو من ورا
..
بها البدر حال الغيم يخفى ضياؤه بها الشمس حال الصحو يبدو
لها ضيا ..
ويسخن فيها الماء في الصيف دائما ويبرد فيها الماء في زمن
الشتا ..
وفي الصين صيني إذا ما طرقته يطن كصيني طرقت سوا سوا ..
بها يضحك الإنسان حال فرحه ويبكي زمان الحزن فيها إذا ابتلى
..
ومن رأي في الهند شيئا بعينه فذاك له في الهند بالعيم قد رأى
..
وفيها رجال هم خلاف نسائهم لأنهم تبدو بأوجههم لحى ..
ومن قد مشى وسط النهار بطرقها تراه بها وسط النهار وقد مشى
..
وعشاق إقليم الصعيد به رأوا ثمارا كأثمار العراق لها نوى ..
به باسقات النخل وهي حوامل باثمارها، قالوا: يحركها الهوا ..
وما علمتني ذاك أمي ولا أبي ولا أمرأة زوجاني ولا حما .. "
12/02/2011
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|