مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 وادي الماس - الجزء الثالث

 

وادى الماس

 

قصة : مسعد غنيم

12. أول رسالة

في حين كان صاحبنا لا يزال مشغولا بمسألة السيطرة الرجولية تلك، بدأت صاحبتنا، بعد إعلان خطبتهما شبه رسميا، ودون قصد منها، في غزل خيوط حبها الرقيقة حوله، ودون أن يدري هو أيضا، فتأسره إلى الأبد في شباك حبها وتسحره فيجد سعادته فقط في فعل ما يسعدها هي. فها هي ترفع "أهوسة" أو حواجز مياة نهر حبها حاجزا بعد حاجز، وتطلق في أول رسالة تكتبها إليه تيار مشاعرها التي تمنعها طبيعتها الجادة المتحفظة من التعبير عن حقيقتها شفاهة عند لقائه، فتغرق صاحبنا في جنة من المشاعر والأحاسيس ملأت حياته دائما فيما بعد. وها هي ترسل له أول رسائلها، وما كانت لتفعل هذا قبل ذلك طبعا. عكست تلك الرسالة فيما تعكس، إضافة إلى ذلك التعبير عن حب غامر وقد أطلقته من أسره، ملامح شخصيتها وعمق ثقافتها، وقدرتها الأدبية الرائعة على التعبير والتجديد حيث كتبت في 28 يناير 1972:
"....أولا وقبل أن أضع النقاط على الحروف..أعتذر لأنني لم أسبق إسمك بكلمة أنت تعرفها جيدا...فكثيرا ما يرددها قلبي، ولكن صعب أن تصعد إلى شفتي....كما أن خجلي وحيائي يمنعاني....في الحقيقة لست أدري ماذا اكتب وأقول...لأن عندي الكثير الكثير...ولكن قلمي يقف بين أناملي حائر لأن لساني عاجز عن البيان وحتى عن مجرد التعبير....بحثت كثيرا عن ورق أفضل من هذا ولكن لم أجد سوى هذا النوع المتواضع.....لم تمنعني مياة المطر المنهمرة ولا السحب المكفهرة والغيوم السوداء من البحث عنها...كم كانت مياة المطر كريمة معي اليوم...ألله منظر رائع جدا ومثير لخليط من المشاعر والأحاسيس...فملابسي كلها غارقة في محيط ماؤه رمادية اللون جميلة...إلهي ما من إنسان إلا وإتخذ ركنا يحتمي فيه...وأنا التي أسير وأجري بهذا المنظر الظريف اللطيف المثير...ماذا ياربي لابد أن أحصل على ورق جميل رقيق؛ حتى يمكن أن أرسل رسالتي لـ (.....) والتي وعدته بها...لقد وعدته بذلك وأيضا كما طلب....

كيف بالله أتأخر عليه؟ لا، لايمكن ويستحيل؛ فلابد وأن أكتب رسالتي اليوم حتى ولو إنطبقت السماء على الأرض....ولكن لماذا هذا النوع من الورق بالذات؟! لأن (......) إنسان رقيق المشاعر حساس؛ فلا يليق به إلا ورق رقيق شفاف يمكنه أن يرى من بين سطوره نفسي وهي تكتب له وتتحدث معه.....أبعد كل هذه الملابس الغارقة والأمطار القاسية المتوحشة لا أجد ما أريده....لابأس...ففي لحظات قصيرة جدا كل شئ يجف لأنه قد إبتل من أجله...نعم من أجله هو فقط...فله مكانة في نفسي ووجداني...صعب أن أقدرها باس شئ مادي...وحده يختال فيها دون م منافس أو شريك.
معذرة لأن خطي شيء رديء وكلماتي لا تقل عنه جفافا وخشونة وتقتير...إنني أراك الآن وأحس بك غاضب من أجل ذلك وتقول: إن هذا كبر وعناد وقمة الحماقة...وأقول أنا لك: لا لا والله ما هذا ولا ذاك أبدا، إنما هي مجرد طبيعة لا أكثر ولا أقل يساندها في ذلك الخجل والحياء....هاهي الآن علامة ترتسم على جبينك وتهم بأن تمزق رسالتي هذه التي بين أناملك...نعم إنني أراك الآن يا (......) بقلبي.. لا...هاهي يدي تمسك بطرف من الرسالة....لا تمزقها؛ لأنك لو فعلت ذلك سوف تسمع صرخات كلماتي وستراها وهي تذهب حسرات وتقول: حرام حرام أن تقتل روح وحياة؛ أنا نبض وحياة لأنني صادقة غالية لست مبتذلة رخيصة، وواضحة بدون زين أو رتوش....فهل يحق لي أن أقتل بعد ذلك وأمزق إربا إربا؟ حرام أقولها وتقولها هي تلك التي بيديها قد خلقتني واخرجتني إلى النور...وأنا خلقت من ذات نفسها ووجدانها....فهل ترضى لها بهذا المصير؟ وهل يهون عليك وتطاوعك نفسك بأن تصنع أنت لها هذا المصير بنفسك؟
...لو ظللت العمر كله أكتب فلن يكفي ولو أتيت بكافة أوراق وأقلام العالم أجمع فلن تكفي هي الأخرى.... لك مني تحية عذبة رقيقة...وإلى لقاء، وشكرا."

يا ألله، كأن كل هذه المشاعر المتأججة والعواطف المتدفقة كانت تختفي وراء ذلك الجدار الجامد من التحفظ والخجل، وكأن كل صمتها وتحفظها في كل لقاءاتهما السابقة قد إنطلقا من أسرهما يحطمان كل الحواجز ويصيرا طاقة من حب وعطاء لا يبدو لهما نهاية. ما أروع وما أرق ذلك المشهد السينمائي الذي صورت فيه نفسها، بأسلوب أدبي رائع؛ تجري وحيدة دون باقي الناس تحت مطر يناير الكثيف في المنصورة، فقط لتحضر ورقا رقيقا مثل حبيبها لتكتب له عليه أول رسائلها! وما أروع ذلك التشخيص والتوحيد بين رسالتها وذاتها فأصبح صاحبنا يكاد يستشعر وجودها كله بذاتها بين سطور تلك الرسالة.

كما شرحت هي، بدأت رسالتها بكتابة إسم صاحبنا مجردا دون أن تسبقه أي صفة! فرغم إطلاقها لكل هذا الكم من مشاعر الحب، كما كتب إليها صاحبنا في رده على رسالتها، إلا أنه يبدو أنه كان من الصعب عليها أن تتخلص بسرعة هكذا من ذلك التحفظ الشديد الذي يتمكن منها بعمق! فلم تستطع أن تصرح بلفظ كان صاحبنا يتمنى قراءته وسماعه منها؛ "حبيبي". أيضا، لاحظ صاحبنا أنها لم توقع الرسالة بإسمها وقد عاتبها في ذلك في رده، ولم تعد هي بعدها إلى ذلك أبدا، فقد إنطلق نهر حبها في فيضان أبدي.

13. العـنــقــــاء

بعد مرور شهر على خطبتهما وقبل أربعة أشهر من تخرجه في الكلية الفنية تلاقيا في المنصورة في فبراير 1972 لغرض هام. يذكر صاحبنا في مذكراته أنه ذهب إلى أهلها في ذلك اليوم، ويتذكر أن صاحبتنا قد رتبت له هذا اللقاء بعد جهد جهيد مع أمها ذات الشخصية الحديدية. ولأن أهلها بالمنصورة لا يعلمون بشأن خطبتها، فقد قام هو بخلع "دبلته" من إصبعه الخنصر قبل الذهاب إليهم، وكانت هي تربط رباطا طبيا على إصبعها الذي يحمل "دبلتها" كلما سافرت إلى أهلها بالمنصورة، فلم تكن مشاعرها لتطاوعها أبدا أن تخلع تلك "الدبلة". كان سلوك أمها في غاية الجفاف والغلظة معه. كانت، كما علم هو بعد ذلك، تتخوف من أن يكون شخصا نصابا يدَّعي شخصية غير شخصيته، فقد تعرضت بالفعل بعض الأسر المحيطة لذلك النوع من الإحتيال. وبعد أن لانت قليلا إستجابة لمشاعر إبنتها وتحت ضغط أمر واقع قبلت الأم الحكيمة بصاحبنا من حيث المبدأ، ولكن بشرط عدم أي إرتباط رسمي، بمعنى الخطبة، قبل أن يتخرج هو بعد شهور قليلة، ودون زواج حتى تتخرج هي بعده بعام واحد، وطبعا لم يفت الأم أن تشدد على ضرورة ألا يتقابلا في القاهرة!، بما يعني السماح ضمنيا بإمكانية لقائها بالمنصورة ولكن دون القول بذلك صراحة، فقد كانت من الحكمة بحيث لاتمعنهما من شئ مستحيل عليهما مثل عدم اللقاء، وكانت من التحفظ بحيث لا تصرح لهما بذلك. إلا أنهما لم يكونا على أي إستعداد للتخلي عن اللقاء في القاهرة بين الحين والآخر! فقد باتا روحا واحدة يصعب فصلها بهذه السهولة.

لم يغب عن صاحبنا أبدا ذلك الكابوس المتمثل في الجانب المادي وتكاليف الإعداد للزواج كعقبة كأداء أمام الغالبية العظمى من الشباب المصري الفقير، تماما كما هو حالهم اليوم نسبيا، وكأن الزواج يمثل العنقاء في مثلث المستحيلات؛ الغول والعنقاء والخل الوفي. حتى بعد أن يجتهد الشاب في جمع ما يمكنه من مال بسيط، غالبا ما تفشل الكثير من الزيجات بسبب الخلاف على مَن مِن أهل الزوج أو الزوجة سيدفع تكاليف ما يتطلبه الأمر من مستلزمات تأثيث عش الزوجية، وعلى الضمانات المالية متمثلة في مبلغ مؤخر الصداق، والضمانات المادية المتمثلة فيما يعرف بالقائمة، وهي قائمة بالمنقولات المادية من الأثاث وغيره يوقع عليها الزوج بإعتباره مسئولا عن الحفاظ عليه كأمانة لديه لصالح الزوجة. لم يكن صاحبنا بمعزل عن هذه الثقافة الزواجية الشائعة، ولكنه منذ البداية لم يعرها أي إهتمام أو إحترام حتى! حيث بحث في كتب الشريعة والقانون عن أي مبرر لذلك التشيؤ الغبي المتمثل في عبادة الأشياء وتنحية الحب والمشاعر الإنسانية جانبا أو وراء الظهور، وهي التي يعتبرها صاحبنا أساس الحياة وليس أثاثها. كانت مشكلة صاحبنا الجوهرية هي عدم توفر المال أصلا، وطول المدة الزمنية اللازمة لتوفيره من راتبه المحدود بعد إستقطاع إلتزاماته المقدسة تجاه أسرته، تلك الإلتزامات الذي إحترمتها صاحبتنا وإعتبرتها دليل على وفائه بشكل مبدئي، رغم شعورها بأن ذلك يمثل إنتقاصا من حقها في بدء حياتها الزوجية بالسرعة الكافية.

لم يكن الأمر أسعد حالا من جانب أسرة صاحبتنا، فقد أعلنت أمها بوضوح شديد أنهم يكفيهم تماما تعليم إبنتهم تعليما جامعيا، وليسوا على إستعداد أو قدرة على دفع المزيد من تكاليف أخرى مثل الزواج. كانت محقة تماما حيث أن التعليم الجامعي بالنسبة لغير سكان القاهرة والإسكندرية وقت ذاك في ستينيات القرن العشرين يمثل تكلفة باهظة على الأسر المتوسطة والفقيرة. لم يكن هناك مفر أمام سكان الدلتا إلا الإلتحاق بأقرب جامعتين موجودتين وقت ذاك، جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية، بما يعني ضرورة تدبير المسكن والمعيشة في المدينة الكبيرة إضافة إلى تكاليف التعليم وهي أقل نسبيا من تكاليف السكن والإعاشة. وهذا الأمر لم يكن في إستطاعة الأغلبية الساحقة من فلاحي وعمال بل وموظفي سكان دلتا مصر.
كان هذا الوضع هو ما قفز إلى مقدمة المشهد أمام بطلينا ليعترض مسيرة قصتهما الرومانسية، إلا أن حبهما التلقائي والمبرأ من أي مؤثرات إجتماعية سلبية جعل ثقتهما بأنفسهما وببعضهما البعض أقوى بكثير من أن تهتز لأي من هذه المعوقات المادية والمعنوية. لم يكن الأمر مجهدا لكي يقتلا العنقاء سويا وينطلقا في حياتهما أحرارا من كل قيد لا يقنعهما، فقد كان لديهما حبهما بعضهما البعض.

14. الوعـــد

لم تستطع إذن أي معوقات أن تقلل من إيمانهما بذاتهما وبأنهما قادران على تحقيق حلمهما، ولم يسمحا لأي عوائق إجتماعية لا يقتنعان بها أن تفسد إستمتاعهما بكل لحظة في حياتهما طبقا لدستورهما الخاص في الحب في حدود ما تسمح به قيمهما الراقية وقناعتهما الدينية العميقة، لأن العهد الذي قطعاه على نفسيهما في 26 نوفمبر 1971 كان بمثابة رباط مقدس أكثر من رباط الزواج نفسه، وكانت ثقتهما بنفسيهما وببعضهما تسري كما الماء في النهر، شيئا طبيعيا لا يحتاج لتأكيد، أو بحسب التعبير الحكيم لأختها ليلى فيما بعد؛ كان "الصدق" هو عنوان علاقتهما.

أثناء ذلك اللقاء في المنصورة، ورغم كل الرومانسية التي يعيشانها، يبدو أنها لم تمنع صاحبنا من التفكير مرة أخرى في موضوع السيطرة الذكورية إياه!، وواضح جدا أنه لم ينجو من التأثر بشكل ما بالثقافة الشرقية بشأن علاقة الرجل بالمرأة، حتى أنه إستخدم تعبير "أمتلكها" في وصف علاقته بها، هذا رغم أنه كان غارقا إلى أذنيه في حبها، ويكن لها إحتراما فائقا، ولم تكن هي أقل حبا له، فقد كتب في مذكراته عن ذلك اليوم 5 فبراير 1972:

"بالأمس كان اللقاء بالمنصورة، في كل لقاء اشعر بأنني أصبحت أمتكلها وأقوى في علاقتنا من سابقه. في كل لقاء يتكشف لي ضعف الأنثى فيها....المشكلة التي تواجهنا الآن هي المادة....إن أهلها رفضوا أن يتم الزواج بالطريق العادي أي المهر و...ثم...إلخ. ..قالوا أنهم علموها وليسوا على إستعداد أن يزوجوها...فلتزوج نفسها..."
رغم كل شئ كان قطار حبهما منطلقا لا يلوي على شئ ولا يعبأ بهواجس ولا بمعايير إجتماعية بالية في نظرهما، فقد عاد وسجل في مذكراته عن نفس اليوم:
"...وعندما أمسكت بيدها هذه المرة، دلفت يدها بسهولة ولهفة في يدي وتشابكت أصابعنا بسرعة....لقد كنا في سعادة غامرة...ولقد أخذت منها وعدا بقبلة يوم التخرج بإذن الله...آه..لكم أشتاق إلى ذلك الفم.."
وعد بقبلة؟! يا للهول! لقد خطا بطلانا خطوة جريئة في رحلة حبهما الرومانسي البريء، ولم لا، ألم تتم خطبتهما بشكل ما؟ ألم يخطرا أهلها ووافقوا من حيث المبدأ على إرتباطهما؟ لم يكن إذن من المستبعد على صاحبتنا المحبة بقوة وذات الشخصية القوية المستقلة أن تتشجع قليلا وترضخ لإلحاح صاحبنا في الحصول على تلك المكافأة العظيمة يوم تخرجه، وهو يوم لا يعلم أهميته في حياة الدراسة إلا من قبع خلف أسوار كلية عسكرية لمدة خمس سنوات كاملة! وكانت هي تعلم تلك الأهمية بالنسبة له. فلم لا تحطم بعض من حواجز التحفظ لديها وتعجل بلحظة كونية من سعادة لا تحدث في العمر إلا مرة واحدة؛ أول قبلة. ألم يكفها تحفظ صارم عذبت به صاحبنا لمدة سنتين قبل أن تقبل بمجرد التعرف إليه؟
ها هي صاحبتنا على وشك أن تطلق بعض من طاقة ذلك السيل الذي لا ينضب لديها من الحب والعطاء، وهذه المرة ليس على الورق عبر كلماتها المتدفقة بكل عمق ودفئ مشاعرها، بل على أرض الواقع، وجها لوجه! .....وعموما فقد كان لايزال هناك أربعة أشهر قبل أن تفي بهذا الوعد الجرئ في يوم تخرجه.

من الغريب أنه وطوال حوالي أربعة عقود من زواجهما لم تكن هناك سعادة تعادل سعادتهما حين تتعانق أصابع يديهما كلما سنحت لذلك فرصة، حتى أنها كانت أحيانا تصر على أن تمسك بيده أثناء تلك الخطوات البسيطة التي يقطعانها من قاعة المعيشة حيث إعتادا أن يقضيا معظم أوقاتهما بعد إصابتها بجلطة مخية قبيل رحيلها بعدة أعوام، إلى المطبخ حيث إعتادا على تناول طعامهما. كما أن الإمساك باليدين كان سمة مميزة في معظم الصور الفوتوغرافية المأخوذة لهما معا كثنائي عبر السنين، حتى أن حرصها الشديد على الإمساك بأبنائها الصغار لم يمنعها من أن تمد يدها بطولها لتمسك بيده في تلك الصورة التي إلتقطت لهم في واشنطون بمطلع الثمانينيات أثناء بعثة صاحبنا إلى أمريكا. وفي آخر صورة لهما معا في آخر إحتفال بعيد ميلادهما المشترك في يونيو 2011 وقبيل رحيلها بشهور قليلة، كان الملمح الأبرز فيها هو تشابك أصابع يديهما في تشبث واضح بكل لحظة سعادة يتمكنان منها، تشبث لم ينجح، كما يظن صاحبنا، في أن يمنع تسربها هي كلها كحبات رمل من بين أصابعه نحو رحلتها وحدها إلى وادي الماس! نعم، لم يزل صاحبنا يرزح تحت ثقل هذا الشعور الرهيب بفقدانها وأنها تسربت من بين أصابعه. إنه لا يستطيع أن يتخلص من ذلك الهاجس الأسود الذي يصور له أنه كان بإمكانه أن يفعل ما هو أكثر لإنقاذها! هذا رغم إيمانه بأن الأعمار بيد الله!

15. الإخـتــبار

لم تنقطع لقاءتهما طوال شهري فبراير ومارس من ذلك العام 1972، وفي إحداها دخلا السينما لأول مرة بعد ممانعة طويلة منها، طبعا!، وكان فيلم أمريكي شهير بعنوان "ماش" بسينما مترو بالقاهرة. إلا أن أخطر إختبار لقيمهما وأخلاقهما جاء بشكل إجباري فرضته الظروف القهرية عليهما معا، فقد أضطرا إلى أن تستقبله هي في مسكن أخيها بمصر الجديدة، في وجود خادمتها فقط دون وجود أخيها وزوجته اللذان سافرا إلى ليبيا!. فاجأته صاحبتنا بأنها منذ سفر أخيها منذ حوالي العامين ثم إلتحاق زوجته به بعد حوالي السنة، كانت مضطرة إلى أن تقيم وحدها في القاهرة مع خادمتهم المخلصة في ذلك المسكن أثناء الدراسة، وتعود للمنصورة في الأجازات فقط، سواء الأسبوعية أو السنوية. هذا ولم يستطع أبوها، وكان قد قارب السبعين في ذلك الوقت، إلا أن يقوم بالحضور من المنصورة ليطمئن عليها من حين لآخر في أواسط الأسبوع. كان هذا بعدا لم يعرفه عنها من قبل ومعه عرف مدى إستقلاليتها وقوة شخصيتها.

كان الأمر الذي أضطرهما للقاء في المسكن هو أنها كانت قد رسبت في إمتحان السنة الماضية بكلية التجارة في مادتين شكلتا لها صعوبة بالغة، وهما الرياضة المالية وبحوث العمليات، وكان صاحبنا المتفوق المغرور هو مبعوث العناية الإلهية والمرشح المنطقي لكي يدرس لها هاتين المادتين حتى يمكنها النجاح، ذلك النجاح الذي لا يمكنهما المغامرة به وإلا خسرا سنة أخرى تبعدهما عن موعد الزواج المأمول، وما كان أحوج شوقهما إلى إختصار شهر واحد، يوم واحد، بل حتى ساعة واحدة!

يبدو أنه كان من المحتم أن يخضعا لذلك الإختبار الصعب، بأن يقوم بواجبه التعليمي هذا في المسكن الخالي إلا من خادمتها وعواطفهما المشبوبة تجاه بعضهما البعض. يبدو أن القدر الذي جمعهما من خلال تلك اللقاءات الدورية بأول جمعة في رمضان في قطار الحب، كان يخبئ لهما أو لصاحبنا تحديدا، هذه المفاجأة أو هذا الإختبار القاسي، وقد نجحا فيه بإمتياز، ولكن كان لذلك النجاح ثمنا مؤلما دفعاه من معاناتهما ولوعتهما بنهاية كل لقاء عند الوداع. كانت صاحبتنا تتأثر بشدة بتلك اللحظات، وظلت طوال عمرها معه تتألم بشدة من لحظات الوداع هذه، فلا تمر إلا بإعتصار القلب الواهن بالحزن وبإنهمار الدموع رغما عنها، ولكن بعد أن يكون قد إبتعد بما يكفي لكي لا يراها!

في تلك اللقاءات المتكررة كانت أكثر المشاهد تأثيرا على مشاعر بطلينا ما حدث بعد إنتهاء درس من الدروس في يوم الجمعة 15 أبريل 1972. في ذلك اليوم، خرجا سويا للتنزه في القاهرة لعدة ساعات، ثم عادا للمسكن وقام بمساعدتها في دراسة تلك المواد، وقد سجل صاحبنا ذلك المشهد المؤثر في مذكراته يوم الإثنين التالي:

" كان يوم الجمعة الماضي جديدا...خرجنا معا منذ التاسعة صباحا حتى الثانية، وعدنا عندها......وشرحت لها بعض الدروس في منهج مشترك...كانت تجربة جديدة...أن أكون في مكان المدرس وهي في مكان التلميذة...وما دفعني للكتابة الآن هو ما كان منها حين الوداع...كان هناك بعينيها دموع غير مرئية...كان هناك الحزن واللوعة...وقتلت أنا....ياله من منظر عندما داعبتها بجريدة كانت في يدي ضاربا بها على رأسها برفق...وتشيح بوجهها بعيدا في أسى...خوفا من لقاء العيون...وكنت أضحك محاولا نسيان أني من الواجب أن أبكي....وخرجت تطاردني للآن صورتها وهي تشيح بوجهها في لوعة قاتلة...وأسى حاد...ولكن ماذا؟ فليكن ...أي شئ...فليكن لقاؤنا غدا...فليكن بعد عام...بعد ألف عام..ولكني أحبها...فلتبعد الحدود وليقسو الزمان...ولكني أحبها...وكفى."

رغم رقة وعذوبة مشهد الفراق هذا ورغم تأثر صاحبنا بهذا العمق إلا أنه لم يتذكره كثيرا فيما بعد، وليته كان قد فعل! لأنه وكعادته دائما كان متمحورا حول نفسه، فما أجمل وقع هذا المشهد عليه الآن وهو يسترجع تلك المذكرات. صحيح أنه كان يتمحور حول نفس أسيرة لصاحبتنا فتكاد لا تفكر إلا فيها ولا تتنفس إلا من أجلها، ولكنه لو تعمق في نظره إليها حينذاك لأدرك وتذكر بشكل أكثر مدى عمق حبها له ومدى عذابها ولوعتها لمجرد فراقهما لعدة أيام.

ربما يفسر جانبا من هذا التمركز حول الذات ذلك الغرور الذي أصابه عندما وجد نفسه في موقع المدرس لها. ذلك المشهد الجانبي للمدرس والتلميذة غذى ولبعض الوقت غرور الرجل في صاحبنا ونزوعه الذكوري للسيطرة التي ظل يتوهمها زمنا طويلا وفيما بعد الزواج، وأثر على سلوكه نحوها حيث إصطبغ بالتعالي العلمي، حيث كان، وهو المتفوق علميا دائما، معيار التفوق العلمي لديه هو أهم معيار يقيس به أوزان الناس من حوله. إلا أنه وبعد مضي بعض الوقت وتبادل العديد من الرسائل معها أدرك وإعترف لها بصدقه المعهود مع نفسه بأنها تفوقه عمقا وقدرة على التعبير عن مشاعرها. إلا أنه لم يدرك مدى غبائه بالنسبة لها إلا بعد زمن طويل عندما بدأ في التعرف عليها عن قرب بعد تقاعده من عمله وإستقر في البيت بما يكفي لإعادة إكتشاف المزيد من الكنوز المخفية في شخصية صاحبتنا الصامتة غالبا!

16. الجمال والحب

هاهو صاحبنا يكتشف المزيد من عمق تلك الإنسانة الرائعة. حقيقة، فمنذ أن وقع أسيرا في مجال جاذبيتها أصبحت بالنسبة له مثلا أعلى للجمال، جمال يتمثل في كونها مستودعا للحب لا ينضب أبدا، وفي قدرة عجيبة على التسامح والغفران، وصدق مع الذات أعطى لشخصيتها قوة عرفها صاحبنا جيدا، وكلما إستعاد قراءة رسائلهما المتبادلة أو مذكراته هو، يجد في السطور وما بينها كثيرا مما لم يدركه من روعة شخصيتها في حينه وأثناء مشوار حياته في السعي الجهيد لتوفير لقمة العيش لأبنائهما فيما بعد.
كتبت لنفسها في 25 مارس 1972 رسالة فريدة في نوعها، لا يذكر صاحبنا متى سلمتها له؛ كتبت عن أشد عن هواجسها كآبة وحزنا، ففاضت رسالتها بعمق آلامها وشدة معاناتها، وذلك كله، ويا للغرابة، بسبب جملة عارضة جاءت في حديثه معها في اللقاء السابق عن علاقة الجمال بالحب. كانت عذاباتها وآلام قلبها تلك هي ما إعتصر قلب صاحبنا ألما ولوعة، ولم يكن يعرف بعد عن مرض قلبها ولا هي كذلك، رغم ما ذكرته له من قبل عن بعض ألم تحس به أحيانا في صدرها، ولو عرف ذلك لما رحم نفسه طول العمر....ومما جاء في مناجاتها لنفسها في تلك الرسالة:
"...هذا الذي لم أقوى على سماعه والذي صدمت منه؛ فشقيت به وتعذبت، تعذبت لأن نفسي لاتصدق، آه لا أقوى على مصارحة نفسي به كلما تذكرته، أشقى منه كلما تذكرته، ها هي أناملي الصغيرة تحاول يائسة منع أذناي من سماعه، آه! إن قلبي ليكاد يقفز من بين ذات صدري؛ مسكين هو؛ ها هو يترنح بين جنبيه من الألم. كيف ياربي لماذا لا أريح نفسي من كل هذا الشقاء، لماذا أنا أتحمله وحدي وكيف أنا صامته عليه قانعة به راضية، لماذا كل هذا؟! هل أنا جبانة، خائفة من مواجهة الموقف، أم ياترى عاجزة حتى عن ذكره؟

لا، لا، لا يمكني ذكره، لأن ما أحمله ليس له حدود ربما يشقيني أكثر وأكثر إن أنا ذكرته؛ ولكن لا؛ يجب أن أكون أشجع من ذلك بكثير، يجب أن لا أكون أنانية، حتى يسعد، نعم يسعد هو وأتألم أنا وأشقى وأتعذب أنا ولكن في كل هذا سعادتي لأني إنتصرت على نفسي وأنانيتي وإستطعت أن أحقق له سعادته.

فخير لي فعلا أن أبتعد وأسلك طريقا آخر وحدي؛ أتركه لتملأه أخرى تمتاز عنك وتفضلك في نواحي شتى والكثير الكثير حتى تحقق له سعادته بما تمتاز به عني؛ فطالما أن دين المادة هو السائد والمنتشر في هذه الأيام، فما جدوى لوجودي هنا؛ في هذا العالم.

الله! الجمال والمال أصبحا أهم شئ في هذه الحياة! نعن ولماذا العجب؟ إن لهما أثر فعال قوي في صنع السعادة والتمتع بها حقيقة؛ ولهذا إن أنا إبتعدت عن هذه الطريق، تركته وشأنه، سوف أهديه السعادة والتمتع بها وأحققها له ليتمتع بها كيفما يشاء وفي أي وقت يحب وطوال حياته وعمره المديد إن شاء الله، نعم سأحققها له؛ لأن ليس لي جمال ولا لي مال، فماذا أفعل والله لم يمن علي بهما.

هناك الكثيرات الكثيرات لهن الجمال الفائق والثراء الفاحش، وهو بإمكانه الحصول على أي منهن في أي وقت يشاء وكما يحب فهن كثيرات، كثيرات جدا في أي وكل مكان، كل ما أملكه هو ذاتي ونفسي وروحي وقلبي الكبير بين جسدي الصغير. ...........

لماذا كل هذا الإندهاش وهذا العجب؟ أليس هو الذي خلقه فيّ، هو الذي قرره ولست أنا؛ بل هو الذي قال إن الجمال هو الذي يولد العاطفة؛ لا تثير في القلب والنفس والجسد شيئا تلك القبيحة الذكية العاقلة؛ ما الذي أصنعه أنا إذا في حياته ومعه وأنا لست بجميلة؛ بل كل ما ملكته لله والحق هو إشراقة وجه لا أكثر ولا أقل، يا ألله ماذا هو صانع به؟
لماذا لماذا هو تعجل وقرر الإرتباط بيَّ؛ لماذا لم ينتظر قليلا، آه لو كان قد إنتظر؛ لكان وجدها؛ تلك التي هي أفضل في الجمال والمال والعقل بل وحتى في الروح، تلك التي يخشاها، نعم فهو يخشى أن يقابلها يوما وبعدما عرفني؛ أنه لا يعرف الظروف، ربما يشعر بعاطفة نحوها أليس الجمال هو الذي يولد العاطفة أقول لك لا، لا تقارن وتتعب عقلك ونفسك ولا تعذب ضميرك؛ لا تخشى أنا من نفسي التي سأخلو لها السبيل حتى أسعدك......"
يا ألله، كيف يستطيع من له بقية من قلب أن يتحمل كل هذه الرقة القاتلة، وهذا العذاب الساحق؟ فما بالك بشاعر وحَّد الحب جينات روحه بجينات روحها في عناق أبدي؟ هل يريد من الدنيا إلا سعادتها؟ وهل يطمع في أمنية في الدنيا أكثر من إنسانة "لا تملك إلا ذاتها ونفسها وروحها وقلبها الكبير بين جسدها الصغير" بحسب تعبيرها؟ إن المشاعر في تلك الرسالة التي كتبتها لنفسها في المقام الأول لم تفقدها أربعون عاما مضت أي من عمقها أو رقتها أو قدرتها على إبقائه أسير حبها إلى الأبد.

يبدو أن صاحبنا قد تفلسف، كعادته، في اللقاء السابق بحديث علمي مجرد عن علاقة الحب بالجمال، من حيث أن الجمال هو مدخل الحب. لابد وأنه قد قرأ عن ذلك يوما، إلا أن ما لم يكن قد علمه ولم يقرأ عنه هو مدى رهافة حس المرأة ومدى رقة مشاعرها بعيدا عن العلم الجاف المجرد، ولم يعلم مدى حساسية المرأة تجاه جمالها الذي هو جل رأسمالها! وبالطبع لم تكن هي تعلم أنه جاهل إلى هذا الحد، فإن حبها له يضعه في أعلى مراتب الذكاء واللماحية!.

يألله، لقد إستمطرت كل عذابات الكون على نفسها بسبب سوء تفاهم بسيط، فلم يخطر ببال صاحبنا أن تسبب "فلسفته" تلك في أي من تلك العذابات التي عانتها صاحبتنا في صميم قلبها ووجدانها وإحساسها بنفسها كأنثى. لابد أن تأثرها بسوء التفاهم هذا كان أكبر بكثير من كل تأكيداته ووعودة التي يعتبرها هو مقدسة! فلطاما أكد لها أن وعده في ذلك اليوم الذي قال فيه بأنهما قد إرتبطا ببعض هو وعد أبدي لا رجوع فيه، ولطالما عبر لها شفاهة وكتابة عن كونها أعظم وأحلى من كل أمانيه وأحلامه في رفيقة العمر! وهذا بالضبط ما أصابه بالرعب؛ هول حجم تألمها التي عبرت عنه بكلمات متدفقة كسيل حمم من جوف الأرض حملت معها كل عذابات الجحيم! وهذا ما جعله يتمنى الموت قبل أن يتسبب في عذابها بهذا الشكل، وحتى هذه الأمنية لن تمكنه هي منها أبدا، فحبه لها لن يسمح له بأن يفجع قلبها بفقده كما كانت تخشى دائما.

مع كل هذا العذاب والجرح المهين لجمالها بحسب تصوراتها هي وليس بحسب مقصده هو، لم تعبر صاحبتنا عن أي ضغينة تجاه صاحبنا، وليتها فعلت! لأنها قتلته بإستشهادها على مذبح حبه راضية وسعيدة! فها هي تقرر الإنسحاب من حياته لتعطيه الفرصة ليجد سعادته مع من هي أجمل شكلا وروحا! إن أمضى أسلحة الدنيا لم تكن بقادرة على جرحه بمثل ما جرحته تلك التضحية التي قررت أن تقدم عليها فقط من أجل إسعاده هو!. كانت تلك الرسالة هي أول إشارة إلى أن التضحية هي مفتاح شخصية صاحبتنا كما عايشها صاحبنا، فقد كانت قمة سعادتها عندما تضحي من أجل من تحب.
لم يكن من المفترض أن يتفاجأ صاحبنا بمثل هذا التفكير من صاحبتنا، هكذا يعتقد صاحبنا الآن، لأنها في كثير من رسائلها كررت مقولة أنها قد رزقت عقلا غير بسيط ودائم التفكير في كل صغيرة وكبيرة، فها هي تقول في رسالة بتاريخ 19 مايو 1972:
"...لا أخالك تعرف حالي وافكاري...كل صغيرة وكبيرة أفكر فيها وأحمل همها...قلقة... أفكر كثيرا..أتعب نفسي بالتفكير...معقدة لا آخذ الأمور ببساطة... ماذا تفعل... أمرك لله...حظك هكذا عرفت شخصية تعذب نفسها بكثرة التفكير..."

مع مثل تلك الطبيعة المفكرة لابد أن تثير مقولة صاحبنا عن إشكالية "الجمال والحب" لدى صاحبتنا كل نوازع التفكير والتمحيص لديها، فماذا تملك أي أنثى بعد جمالها؟! لقد مس بمقولته تلك أكثر الأوتار إحساسا لدى المرأة وهو لا يدرك ذلك، فرغم جمال إشراقة وجهها التي تدركه هي جيدا، ولدهشة صاحبنا، فإن تفكيرها قد إستدعى لديها هاجسا بشأن أن جسدها الصغير ليس متناسقا بما فيه الكفاية من الجمال! الأمر الذي لم يكن ليخطر ببال صاحبنا أبدا، حيث لم يفتأ يتعبد في محراب جمالها صباح مساء ويقول فيها القصيدة تلو القصيدة. لم يكن يرى ذلك الجمال في شكلها فقط، رغم أنها كانت في عينه في منتهى الجمال، بل كان مسحورا دائما بذلك المزيج المدهش من جمال روحها وشكلها معا ولم يفكر يوما في التمييز بينهما، فهي كل متكامل وفريد من نوعه. ولابد أن صاحبنا، وقد قتلته عذاباتها الرقيقة، أسرع ببذل أقصى جهده ليزيل سوء التفاهم ذلك سواء في لقائتهما التالية أو بالرسالة الطويلة التي شرح لها فيها أسباب سوء التفاهم، وأحسب أنه قد نجح في ذلك.

فيما بعد رحيلها إلى وادي الماس، وعندما قرأ صاحبنا على إبنتيهما ما كتبته صاحبتنا له في تلك الرسالة الدامية بحسب تعبيره عنها في رده عليها، إنفجرتا ضاحتكين رغم الحزن المخيم على الأسرة منذ رحيلها. فهما، مثل أبيهما، يريان أمهما مثال للجمال الرباني! وتتمنيان لو حظيا بجزء يسير من ذلك الجمال! كانت مزيجا مدهشا من الجمال لا يستطيع من يقع في دائرة جاذبيتها الإنسانية إلا أن يحبها ويرى فيها ذلك الجمال الساحر الذي يصعب وصفه والذي أخذ بعقل صاحبنا وبقلبه منذ طاله أول إشعاعاتها الوردية في تلك الجمعة المباركة من رمضان.

مما يكمل هذه الصورة عن هاجس الجمال لدى صاحبتنا، أنها لم تكن تجيد إستخدام أدوات ومستحضرات التجميل النسائية لأنها عاشت مقتنعة بأن الجمال الطبيعي هو الأجمل، فما كانت لتضع تلك المستحضرات التجميلية إلا نادرا وفي المناسبات الخاصة فقط، ولطالما إندهشت كل زميلاتها في العمل من أنها الوحيدة بينهن التي لا تضع تلك المستحضرات، وكان هذا حتى قبل إنفجار ظاهرة الحجاب بنهاية ثمانينيات القرن العشرين، ولم يزول إندهاشهن إلا بالتعود على ذلك منها، وبعدها عرفوا قيمة الجمال البكر الطبيعي كما كانت تصر هي أن تكون عليه.

كانت جادة في سلوكها العام لدرجة يمكن معها أن يساء تفسير تلك الجدية بالبرود، هذا في الوقت الذي تتفجر بداخلها تلك الصهارة الإنسانية من الحب والعطاء بما يكفي لجميع من تحب. كانت حرارة تلك الصهارة تكاد تحرق أطراف رسائلها إلي صاحبنا، فما كانت لتستطيع أن تكبت تلك المشاعر المتفجرة داخلها حبا وعطاء، خاصة وأن الرسائل هي المنفذ الوحيد لها لإطلاق تلك المشاعر لأنها تعلم طبيعة نفسها جيدا. وأيا كانت الأسباب وراء تشكيل تلك الطبيعة الشديدة التحفظ، فهي لا تستطيع أن تعبر عن حبها له شفاهة وجها لوجه. ولم تكن لتستطيع أن تحرم نفسها من سعادتها بالتعبير عن حبها له بأقصى ماتستطيع، حتى ولو بشكل غير مباشر، فإن إنطلاقة مشاعرها الحارة لم تكن قد تغلبت تماما على كل برودة التحفظ لديها في هذه المرحلة.

في لقائهما التالي بعد أسبوع، أمضيا معا في ذلك اليوم تسع ساعات من ساعات عمرهما الجميلة، خلبت لبه بجمالها عندما إرتدت رداء جديدا وكتب في مذكراته: "أنها من فرط جديتها لا تعرف كيف تظهر مواهبها كجميلة...". في ذلك اليوم ساعدها على إستذكار مادة بحوث العمليات التي كانت ستؤدي الإمتحان فيها اليوم التالي. في ذلك اليوم بالتحديد سلمته بيدها رسالة ذات دلالة خاصة جدا، تحدث لأول مرة!

17. أول مرة.....أحبك

قامت صاحبتنا في نهاية لقائهما في تلك الجمعة من شهر مايو 1972 بتسيلم صاحبنا رسالة بيدها، الأمر الذي نادرا ما كان يحدث حيث من المعتاد أن يتراسلا عن طريق البريد في فترات إفتراقهما الإجبارية. جاءت تلك الرسالة بعد إزالة أسباب سوء التفاهم بينهما بشأن علاقة الجمال بالحب، ولم يكن لسوء التفاهم هذا أن يزول بمجرد شرح المعاني الفلسفية كما يفهمها صاحبنا، لأن صاحبتنا ما كانت، رغم ثقافتها العالية وذكائها الحاد، لتقبل بأن تكون الفلسفة هي الطريق إلى قلبها. إنها لا ولم تقبل طوال حياتها إلا لغة الحب طريقا للقلب، ولابد أن صاحبنا المقتول بالشعور بالذنب قد ذاب أمامها فصار حبا خالصا حتى تقبل بالعودة! ولابد أنه إستطاع بتأكيد حبه الأبدي لها أن يعيد لها ثقتها بجمالها وبجسمها الصغير ذلك، لأنها نادرا ما جاءت على ذكر ذلك الهاجس بعد ذلك، وإن فعلت فليس بهذا الشكل الدرامي الذي جاء في رسالتها الدامية تلك.

دأب صاحبنا منذ وقت مبكر في علاقتهما وبعد العهد المقدس بينهما قبل ما يقرب من ستة أشهر في نوفمبر 1971 أن يلح عليها في أن يسمع منها كلمة "أحبك" أو تكتبها في رسائلها له، أو ليس هذا شأن المحبين دائما؟! أو ليس هذا التمنع من جانبها هو صفة نساء كوكب الزهرة على طول التاريخ الإنساني؟ كان صاحبنا ما زال بكرا في كوكب الرجال؛ المريخ، لم يكتسب بعد أي خبرة في التعامل مع ساكنات كوكب الزهرة! والمؤكد أنها هي الأخرى ببراءتها العفوية لم يكن لديها إلا حدسها الأنثوي لتتعامل من خلاله مع إلحاحات صاحبنا! كانت هي الصغرى في أخواتها الخمس بعد أخيها الأكبر والوحيد، ولم تكن أمها من النوع كثير الكلام، بل إن صاحبتنا ما ورثت ذلك التحفظ الشديد إلا عن أمها التي ما كانت صاحبتنا لتجرؤ على مناقشتها في مثل تلك الأمور الخارجة عن كل معايير وقيم ذلك الجيل، جيل النصف الأول من القرن العشرين. من ناحية أخرى، فقد كانت إختيارات صاحبتنا لصويحباتها في الكلية محدودة جدا وتنحصر في إثنتين على شاكلتها من قيم التحفظ والحرص، إلا أنه ولابد أن أحاديثا ما كانت تدور بينهن، والله أعلم بأقصى ما كان يمكن أن يدور بينهن من أحاديث نساء كوكب الزهرة فيما يخص الرد على إلحاح صاحبنا لأن يسمع منها أو يقرأ كلمة "أحبك".

يبدو أن واقعة "الجمال والحب"، بحكم موضوعها الدرامي ونتيجة عذاب وعذوبة الحوار بشأنها، قد زادت من إشتعال العواطف أكثر بين بطلينا، وكان من نتائج تأجج العواطف تلك أن صاحبتنا بنهاية اللقاء في تلك الجمعة قد أثقلت على صاحبنا بكلمة بدا لها أنها جرحت شعوره، ولا يتذكر صاحبنا بماذا أجابها ولكن بالتأكيد كانت إجابته أو "كلمته" من أرَّق وأعقل ما يكون، لأن صاحبتنا تأثرت جدا بـ"كلمته" الرقيقة وتفجرت داخلها كثير من المشاعر والأحاسيس فكتبت له رسالة مفعمة بالندم والأسف. ويبدو أن ذلك الشعور بالذنب قد حطم أحد حواجز تحفظها فخرجت منها لأول مرة، كتابة، كلمة "أحبك" وجاءت طبيعية جدا في سياق رسالتها اليدوية إليه، بتاريخ الجمعة 19 مايو 1972عن لقائهما السابق، فبعد البسملة كتبت بدون توجيه الرسالة بإسمه كالمفترض:

" هكذا وبدون مقدمات أبدأ حديثي معك...............وبعد أن تركتني وحيدة كان لابد إذا من أن أحضر ورقة وقلم وأتحدث إليك حتى أخفف عن بعض مما إعترى نفسي من حزن عميق ولا أخالك لا تعرف حالي وأفكاري..كل صغيرة وكبيرة أفكر فيها وأحمل همها..قلقة..أفكر كثيرا..أتعب نفسي بالتفكير..معقدة لا آخذ الأمور ببساطة..ماذا تفعل..أمرك لله..حظك هكذا عرفت شخصية تعذب نفسها بكثرة التفكير. والآن أصل إلى النقطة الأساسية والتي من أجلها ...... بدأت الحديث معك..(.....) كم لا تتصور مقدار عذابي عندما ذكرت لي كلمتك هذه..لقد هزتني كثيرا..أخجلتني..جعلتني أنفطر حزنا..تألمت..ياه..لن أنسى أبدا أبدا هذه الكلمة وصورتك وأنت تقولها لي...ياه..قلتها بطريقة يا (.....) طعنتني وقتلتني.. كم كنت متأثرا وأنت تقولها..وأنا لعنني الله قلتها وبكل قسوة.. ياألله ما لقلبي أصلد وأشد من الصخر..أنا كيف أقولها..ولـ (......)..هذا الإنسان الرقيق ..المرهف الإحساس..الذكي..النبيل..ياه..يالقسوتي وعنفي..ألله يلعنني لأنني قلتها..
كنت أود أن أعتذر لك عن ما بدر مني وما قلته وأناقشك عن السبب الذي دعاني إلى هذه الغلطة..طبعا لقد عودتني على مناقشة كل شئ معك بكل قوة وجرأة ولهذا كنت أود أن أناقشك يا (.....).. أعتذر لك.. أقول لك آسفة..مخطئة أنا..إغفرها لي يا (.....)..إن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم..فكيف لا يغفر الإنسان ولا سيما عندما يكون هنالك حي صادق بين إثنين...ولكن للأسف لم أستطع أن أفعل أي شئ من هذا..لم أستطع أن أعتذر..أتحدث..أناقشك..لأنك كنت متعجلا..ولكنك حطمتني يا (.....) بطريقتك هذه وأنت توجه حديثك أو بالأحرى كلمتك هذه إليَّ..لدرجة أنني لم أعرف ماذا أفعل..

فبالرغم من أنني تعودت على الخروج إلى الشرفة عندما تتركني وحيدة حتى يمكنني أن أراك إلى أن تغيب عن ناظري...فأنا أريد دائما أن أراك لأن هذا يسعدني وأن أتحدث إليك وأستمع إليك وأجلس معك..لا أريدك أن تفارقني أبدا..أحبك دائما معي وإلى جواري..ولكن وفي هذا اليوم فجأة ولأنك أخجلتني بكلمتك هذه وفي نفس الوقت أحزنتني وحطمتني ثم تركتني وبسرعة وبدون أن تسمع مني كلمة آسف وإعتذار وندم وعرفان بالخطأ..كل هذا دفعني إلى أن أذهب واغلق شباك الصالون وبعصبية..كنت أود أن أحطمه قبل أن أتحطم أنا ولكن وبسرعة تدارك قلبي بعد ذلك عادتي الشهيرة وهي الخروج إلى الشرفة حتى أراك ولكنك للأسف كنت بعدت كثيرا..فندمت على ذلك أشد الندم لأنني قد أضعت لحظات من عمري هباء ودون أن أراك فيها...

لا تتصور يا (.....) كم عذبني ضميري..كم تألمت لأنني كنت قاسية عليك..لأنني أخطأت..لأنني جرحت مشاعرك ونبل أخلاقك ونظافتها..ياه..إنني أتعذب فعلا..لقد حاولت أن أنام حتى أنسى ولكن للأسف لم أستطع النوم ولا حتى المذاكرة..حزينة أنا..ياه..يارب..لماذا هكذا...لماذا نطقتها..آسفة يا (.....) لم أكن أقصد شيئا من هذا..وإنما هي فكرة فقط طرأت بذهني وقتها لأنك كنت قبلها بدقائق تقول ليَّ "أخرج الآن أفضل لك..." وطبعا أنا أعرف مقدار شعورك نحوي وكذلك أنت تعرف مقدار ما أكنه لك بين ذات صدري وأضلعي.. (.....) إنني .. أحبك.. ويمكن هذه هي أول مرة تسمعها مني وأول مرة أقولها وأكتبها إلى رجل.. رجل أثر في نفسي كثيرا..حرك فيَّ مشاعر حارة صادقة..لما له من رقة وإحساس مرهف ونبل أخلاق وذكاء..رجل أحبه بكل ذرة في كياني.. ألله ما أعنف هذا الحب.. جارف شديد.. ولهذا اثر في نفسي كثيرا أن أرى الرجل الذي أحببت متأثرا كل هذا التأثر..أن أقسو عليه بكلمة ندمت لأنني ذكرتها.. ولكنني ما ذكرتها لا لشئ يا (.....) إلا لما بيننا من حب..إنني لا أخاف من (.....) .. نعم لأنني أعرفه جيدا..ولكن من ثالث بيننا يا (.....) ولا أخالك لا تعرفه.. من الإنسان الذي في داخلك وفي داخلي..من هذه الدوافع التي تقول أن النيل به ماء..من الضعف الإنساني..من لحظات لا يدريها الإنسان فتتغلب عليه عاطفته وقلبه ويغيب عنها العقل ويفقد الشعور..

عرفت الآن ممن أخاف يا (.....).. من كل هؤلاء وليس من (.....) لأن (.....) أقوى منهم كلهم يعرف كيف يتصرف...ولهذا ندمت يا (.....) لأنني أخطأت فعلا في تفكيري وأسفت وتعذبت وعذبني ضميري وتألمت كثيرا..وأود أن تغفر لي وتسامحني وأنا أعرف أنك ستغفر لي وتسامحني لأنك أهل لكل ذلك وأكرم من ذلك ولأنك تعرف جيدا أنني لا أخفي عنك شيئا يدور بذهني أو بقلبي...فكل أفكاري ومشاعري أقولها لك لأنني أحبك. وشكرا."

أي نوع من البشر يمكنه أن يقرأ هذه الكلمات التي تقطر حبا ورقَّة ولا ينفطر قلبه حبا ورقَّة؟! لكم كان صاحبنا محظوظا بهذه الإنسانة الرائعة.
واضح أن هذه الرسالة تمثل نقطة تحول في علاقة بطلينا، ليس فقط بأنها كتبت له لأول مرة كلمة "أحبك"، وهي الكلمة التي طال إنتظاره لسماعها منها وهي المتحفظة العنيدة، ولكن لأنها جاءت على إثر موقف خشيا فيه كلاهما، كل بطريقته، أن تجرفهما عواطفهما إلى ما هو أكثر من السلام بالأيدي عند الوداع، وهما يعلمان أنه ليس معها في المسكن غير خادمتها. كان الإلتزام بالعفة والطهارة أمرا يحافظان عليه بصرامة شديدة يعضدها ما هما عليه من تدين وأخلاق، كما أسهبت في شرح ذلك بما يكفي في رسالتها تلك.

لقد بدا أن ردة فعلها في هذا الموقف وكأنها سوء تفاهم من وجهة نظرها فأورثها موقفها الندم والأسف كما كتبت في حينه، إلا أنه ومع إستعادة صاحبنا لذلك الموقف بعد مرور عشرات السنين، وإعادة القراءة بحكمة السنين يتضح أن موقف صاحبتنا كان صحيحا تماما ومفهوما تماما، فما تصرفت بتلك العصبية والحدة بكلمتها التي لا يذكرها صاحبنا الآن، إلا لأنها أصيبت بالذعر من ألا يتحكما سويا في عواطفهما، فإتبعت حدسها حينذاك، وكما كتبت في رسالتها بوضوح شديد، وكم يكون حدس المرأة مصيبا!
ولأن صاحبنا هو الآخر كان على فطرته السوية ولم يتلوث بما يلوث معظم الشباب في تلك السن، فيبدو أنه لم يبد أي غضب أو إعتراض على موقفها العنيف ذلك، بل تفهمه لأنه هو الذي إستشعر الخطر أولا، وهو الذي أطلق صيحة التحذير بالجملة التي قالها: "يستحسن أن أخرج الآن أفضل لك..." وهو يتذكر تقريبا أنه ما قال هذا إلا لأنه في ذلك اليوم عندما حانت لحظة الفراق الأليمة التي يعانيان منها بعد كل لقاء، أحس بأن موجة المشاعر بينهما كانت هذه المرة عالية بدرجة رأي هو معها أن يرفع الراية السوداء لوقف أي محاولة للسباحة في بحر الحب الهائج. ولم تكن هي أقل لماحية وذكاء في إستشعار تلك الموجة العالية من المشاعر. إلا أن ما أحزنه حقيقة وجعله يعاتبها بتلك الكلمة الرقيقة التي لا يذكرها هو، هو أن ردة فعلها الحادة تلك عبَّرت بشكل ما عن شكها في عدم قدرته على السيطرة على عواطفه، بل وعدم قدرتها هي أيضا على فرض تلك السيطرة، وهذا ما إعتبره صاحبنا شكا في قيمه وأخلاقه وقدرته هو، الأمر الذي إعتبره طوال حياته أسوأ إتهام يمكن أن يوجه له.

ربما يكون موقفها ذلك قد أشعره بنوع من السعادة!، فهو ردة فعل طبيعية وفورية تؤكد نقائها، الأمر الذي ولا شك يشغل بال أي شاب مقدم على إرتباط أبدي، إلا أن صاحبنا لم يكن في حاجة إلى مثل هذا التأكيد، فهو قد تخطى مرحلة الشك هذه منذ زمن بعيد، منذ أن تنشقها هي ذاتها إلى داخله فسكنت في روحه في قرار مكين.

إنها من موقعها كأنثى شرقية محافظة يتمحور وجودها كله حول طهارتها ونقائها، وبحدس الأنثى الذي لا يخيب، لم يكن أمامها إلا أن تتصرف بهذا الشكل الحاد، وعندما جاء رده هادئا ورقيقا للغاية، وبدا كأنه مجروح في أخلاقه، أغرقها هذا المشهد في بحر من ندم فأبدت له أسفها، وفجرعواطفها فكتبت له ولأول مرة ما أراد دائما أن يسمعه أو يقرأه منها؛ "أحبك". رغم حصول صاحبنا على مبتغاه إلا أنه ولا شك لم يفرح لما سببه لها من حزن مؤلم وندم عميق، ولا شك أنه قد أوضح لها أنها لم تخطئ في حدسها أو في سلوكها رغم حدتة، وأن حبه لها أعظم وأكبر بكثير من أن يفكر حتى في غضب حقيقي منها، وأن ما يستشعره من حبها الطاغي له يمحو ما عداه من زلات اللسان والسلوك. هكذا كانت حياتهما معا، وضوح ومصارحة وبساطة، بل ربما تكون قد ضحكت هي من سذاجتها، لأن كل همها كان هو الحب، أن تحبه بكل ما تملك وأن يحبها كما تحبه، وقد حاول جاهدا طوال عمره أن يجاريها ولكنه لم يتفوق عليها أبدا. كانت "أحبك" تلك مقدمة لما هو أجمل وأعذب منها....

1 يناير 2012

...............

توطئة من المؤلف
وادي الماس - الجزء الأول
وادي الماس - الجزء الثانى
وادي الماس - الجزء الثالث
وادي الماس  الجزء الرابع
وادي الماس - الجزء الخامس
وادي الماس - الجزء السادس
وادي الماس - الجزء السابع
وادي الماس الجزء الثامن



06/09/2013

مصرنا

 

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

من الواقع

 
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................