مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 وادي الماس الجزء الرابع

 

وادى الماس

 

قصة : مسعد غنيم

18. الفـــراولــة

هكذا تطورت علاقة بطلينا سريعا خلال شهري مايو و يونيو من ذلك العام 1972، لأنهما تلاقيا بإنتظام لسببين، أولهما أنه بدأ يحصل على أجازات أكثر من الكلية بعد الإنتهاء الفعلي من الدراسة والإمتحانات وبدء الإعداد للتخرج قرب منتصف شهر يونيو، وثانيهما أنه كان عليه أن يساعدها في الإستعداد لإمتحاناتها في نفس الفترة. فكان أن تقاربا بما يكفي، كما رأينا، في حدوث مواقف قد تتجاوز قليلا الحدود التي رسماها لنفسيهما، فجاهدا في منع حدوثها بكل ما أوتيا من أخلاق وقيم دينية، ولكن من جانب آخر فإن نفس هذا التقارب، بطبيعته، وبما فيه من مواقف متباينة نجحا فيها كلها، قد زاد من قوة وعمق الثقة بينهما، كما أورثهما الإنتظام إحساسا جديدا بالتعود على نمط جديد لم يألفاه من قبل، نمط الحياة المنزلية، حتى ولو لفترة محدودة أثناء النهار، وهي غير تلك اللقاءات الدورية المتباعدة في قطار الحب.

من جانب آخر، فإن قرب موعد تخرجه أضاف جوا غير مسبوق من الحماس والفرحة على لقاءاتهما تلك، فهو ليس كأي تخرج، بل إنطلاقة حياة وتحقيق أحلام وعبور للفقر والعجز، له ولأسرته التي كانت دائما في مركز إهتمامه، وهو لم ينس أبدا حلم أبيه الذي حلم يوم ولادته بأن حزاما قد طوق البيت الذي يسكنون فيه فحماه من السقوط بسبب الزلزال، وقد حقق صاحبنا هذا الحلم بالفعل، لأنه لم يقصر يوما في دعم تعليم إخوته وأخواته. كما أن هذا التخرج هو الإختراق لكل العقبات نحو بناء العش الوردي الذي طالما حلم به صاحبنا وصاحبتنا. إنه تخرج من أسر ذلك الشوق الذي يعذبهما إلى رحابة جنتهما الموعودة التي تترائى لهما كسراب مستحيل منذ أكثر من ثلاث سنوات، منذ أن وقعت أبصارهما على بعضهما البعض وأدركا بشكل أو بآخر بإرتباط مصيرهما معا وللأبد.
لكل ذلك لم يكن مستبعدا أن يتم إستدعاء ذلك الوعد الجرئ الذي وعدت به صاحبتنا، بعد إلحاح منه بالطبع!، بأن تكافئه بقبلة التخرج. لقد عانا كثيرا مدة الشهرين المنتظمين من الزيارات المنزلية لكي يحافظا على عهدهما بعدم المساس بأكثر من عناق الأيدي عند المسير وسلامها عند اللقاء والوداع. وكادا أن ينفذا ذلك الوعد قبل موعده في أول شهر يونيو لولا أن أجلاه بإرادتهما كما سجل صاحبنا ذلك في مذكراته في السبت 2 يونيو 1972:
"تخيل..التخرج بعد 15 يوما..ولم أتأثر بذلك في الكتابة هنا..لعله من هول الشئ لا أكتب عنه...وبالأمس..كنت على وشك أكل الفراولة..ولكننا أجلنا ذلك ليوم الخميس بمناسبة عيد ميلادها...وإنتهاء إمتحاناتها..ولكني أنوي ألا آكلها..وبذلك أكون قد حافظت على عهدي بالا تؤكل الفراولة إلا عند التخرج ومعنى هذا..بعد أن تأتي أختها يوم 10 يونيو والتخرج يوم 18 يونيو إن شاء الله"

رغم إصرار صاحبنا على التمسك بتعهده فيبدو أنه لم يستطع أن يحافظ على عهده طويلا! جاء الأسبوع التالي ومعه عيد ميلاد صاحبتنا الثالث والعشرون، وهو لا يبعد بأكثر من 16 يوما من عيد ميلاده الثالث والعشرين أيضا!، فهما من نفس العمر، جاء بأجمل هدية عيد ميلاد، ليس لها، ولكن لمن تحب، فقد أوفت بوعدها وسمحت له بأن يمس فمها، لا أكثر ولا أقل!. يذكر صاحبنا أنه عندما نظر إلى فمها في ذلك اليوم وفي خلده ذلك الوعد بدا كالمسحور وكأنه يراه لأول مرة، ولم يملك من أمر نفسه شيئا إلا إنتظار تلقي الهدية التي منذ تلقاها لم ينس أبدا إحساسه بملمس فمها المخملي المُسكِر حتى بعد مرور أربعة عقود على زواجهما رزقا فيه بالأبناء والأحفاد وحتى بعد أن رحلت وحدها إلى وادي الماس. كان تماس شفاههما يحدث لكليهما لأول مرة في حياتهما، فلم يفعلاها من قبل مع أي شريك.
إذا كان صاحبنا قد عاش لحظة سحرية من أجمل لحظات حياته، ففي المقابل لم يبد أن صاحبتنا قد عاشت نفس اللحظة بنفس الأحاسيس تماما. كانت فيما يبدو تفتح صفحة جديدة من كتاب تضحياتها الذي لم ينته أبدا! فقد إنطلقت في بكاء صامت رقيق لم يخفف منه رجاء صاحبنا لها بأن تكف عن البكاء. عرف صاحبنا أنها ولابد كانت متجمدة من الرهبة والشعور بالذنب، وأنها ما تجاوزت ما عاهدت به نفسها إلا لأن حبها له كان عظيما لدرجة أنها فضلت أن تسعده هو حتى ولو كان ذلك على حساب إرادتها وإحساسها العظيم بالذنب.

من الواضح أن صاحبنا لم يشعر بالذنب كثيرا، حتى مع تأثره بدموع ندمها الصادقة. كما أنه لا يتذكر لماذا لم يتوقف بما يكفي أمام مدى مشروعية ذلك الخرق لمفاهيم الحلال والحرام، هذا رغم نشأته الدينية وتدينه الشديد المتمثل بالتمسك بعذريته لأقصى درجة بعكس أغلبية زملائه وأقرانه. ربما كان ذلك راجعا إلى أنه دائما ما فهم الدين على أنه المعاملة، ودائما ما كان يأخذ بالأولويات في الدين. وبالتأكيد فإن قناعة صاحبنا كانت قوية جدا بقسمه المقدس لها بأنها في حكم زوجته التي إختارها أمام الله، وإنما ينتظران إتمام ذلك الزواج طبقا للشرع عندما يحين الحين. لابد وأن نقاؤه ذلك وإخلاصه وصدقه في وعده أعطياه إطمئنانا كافيا لأن يطمع في عفو الله عن تلك القبلة أو المخالفة البسيطة! وسرعان ما تخلصت صاحبتنا هي الأخرى من هذا الشعور بالذنب، لأنها لم تجد من صاحبنا إلا مزيدا من الإحترام لها يكاد يصل إلى التقديس، ناهيك عن حبه العميق لها والذي لا يمل من التعبير عنه في قصائده ورسائله لها.

كما يبدو أن بكاء صاحبتنا على إثر تلك القبلة لم يكن فقط لشعورها بالذنب نظرا لتدينها، بل ولابد أنه كان يتملكها هاجس ثقيل من أن تفقد إحترامها لنفسها أمامه والأخطر أن يفقد هو إحترامه لها وبالتالي تفقد حب حياتها. فلما لم تر منه إلا مزيدا من الإحترام والحب زال هذا الشعور بالذنب لديها، بل وإنقلبت تلك المشاعر السلبية إلى مزيد من الإندفاع في عواطفها نحوة وبقوة تلقائيتها الطبيعية، وإلى مزيد من الثقة في حدسها السليم، وفوق ذلك ثقتها في صاحبنا والتي أصبحت بلا حدود، فأطلقت المزيد من صهارة حبها السرمدي له في رسالة أخرى من رسائلها المشحونة بالمشاعر الجياشة؛ كتبت له بتاريخ 27 يونيو ردا على رسالتة لها:
" (.....)............ يا أمنية الخير في حياتي.. يا (.....).. من أعمق أعماقي أقولها لك أحبك. شكرا لك يا أعز أحبائي.. يا من أركن إليك في الصبح المشرق والليل البهيم وأحلام اليقظة ويقظة الأحلام وكلما ضاقت بي وأظلمت الدنيا..شكرا لك على رسالتك هذه الرقيقة المضيئة التي أسعدتني كثيرا وأثلجت فؤادي وإنتشى لها كياني ووجداني...
ألله يا (.....) ما أعظمك..كم أنت عاقل متزن..فعلا يا (.....) إنني فرحة جدا بك ومسرورة.. إن شخصك وشخصيتك يؤثران فيِّ كثيرا.. يا سلام يا (.....) والله ما كنت أتوقع قط أن أجد هذا الإنسان العاقل الحساس المتزن الذكي... ما كنت أتوقع أبدا يا (.....) أن يحبني الله بهذا الشكل ... أراك ثم ألقاك...ألله ما أجمله من لقاء...لقاء لا ككل لقاء... وإيم الحق إنه لقاء على أروع نغم... لأنه مبارك من السماء...لقاء بين قلبينا يا (.....) حتى يسعد كل منا بالآخر...لأنه لقاء لا ولن ينتهي أبدا...
............ الحمد لله يا (.....)... أجد بين حنايا ضلوعك ومن خلال نبض قلبك ممثل في سطورك الحبيبة بهذه الرسالة كل العوض فأجد لهفة الحنان وحنان اللهفة... أود من كل وجداني يا (.....) أن أكون معك وبجوارك دائما حتى أشاطرك وقتك وحتى تدفع عني هذه الحالة النفسية التي تعتريني... تدفع عني وحدك وفقط يا (.....) سأم الحياة وحياة السأم......."
والحقيقة أنه منذ أن سطرت له أول رسالة، لم تفكر صاحبتنا أبدا ذلك التفكير العقيم لدى كثير من الشباب وهو ضرورة التقتير في إظهار المشاعر للحبيب حتى لا يعتبر ذلك ضعفا ويقوم بإستغلال تلك المشاعر والإستهانة بها ويعتبرها أمرا مضمونا أو تحصيل حاصل! كانت جوهرة أصيلة وقوية الثقة بنفسها وبمن تحب، وكان هو الآخر نبع لمشاعر تنبع من نفس النبع السرمدي لمشاعرها الفياضة، فلم يفكر يوما بذلك النسق العقيم من سلوك كثير من الرجال، في التخوف من إظهار مشاعر الحب بإعتبارها من مظاهر الضعف الذي لا يليق بالرجال، بل كان على العكس، فإنه ما كان يجد سعادته إلا بكشف مكنون نفسه لها، بضعفه قبل قوته، فقط لإظهار مدى حبه لها ومدى إحتياجه لها ومدى عظمة وجودها في حياته. تماما مثلما كانت تفعل هي.

كانت لا يتوقف نهر حبها عن الفيضان أبدا، ولا تتواني عن التعبير عن أعمق مكنونات صدرها بشأن حبها له، ولا تجد غضاضة في أن تعترف له بأنه قد فاق أحلامها وتمنياتها في رفيق العمر المرجو، وتحمد الله على تلك النعمة النادرة. تلك كانت السمة المتلازمة مع كل تعبيرات حبهما لبعضهما البعض طوال العمر، فقد كان الأمر أشبه بسباق! كان كل منهما يسابق الآخر في إظهار إمتنانه لله أن وفقه لهذا الحبيب النادر الوجود، وفي إستكثار كل منهما للآخر على نفسه، حيث ظلا طوال عمرهما معا كلٌ لا يعتبر نفسه جيدا بما يكفي لإستحقاق الآخر! لقد ذابا كلٌ في الآخر إلى مستوى ما دون الذرة.

19. العـــلم ... نــور

كان بطلانا يبنيان عالمهما الرومانسي الخاص ويتعلمان عن نفسيهما وعن علاقتهما تعليما ذاتيا بالتجربة والخطأ، وفي محيط معارف أي منهما، وهو محيط محدود بطبيعتهما المتحفظة في إختيار أصدقائهما، لم يكن هناك من يستطيع أن يحلق إلى حيث يسبحان في ذلك الكون الرومانسي الذي يعيشان فيه حتى يمكنه أن يسدي لهما نصحا. ومن المواقف الطريفة التي تعرض لها بطلانا السابحان في آفاق الرومانسية ذلك الموقف الذي أظهر جهلا صارخا لدى صاحبنا بخصوص تلك المخلوقات الرقيقة من كوكب الزهرة! ولندع رسالته تشرح الموقف، وقد كتبها في 5 يوليو 1972:
"......بعد مكالمتي لك...الأولى... خرجت...في حالة لا توصف...ميوعة...ظلمة...لا أعرف.. شعرت فجأة بأنني وحيد في القاهرة.. في العالم.. طريقة كلامك... رفضك الحضور والتعلل بالمرض...هل تكون وعكة سبب كاف لعدم الحضور إليَّ...هل يمنعك عني هذا الشئ التافه... ما أقساك... ياللهول... أنت لاتعرفين حالتي بعد مكالمتك الأولى والثانية...النار والجنة...الظلمة والنور...
(....) إن هذا اليوم لن أنساه أبدا... لقد إنتابتني أفكار سوداء... هل يمكن أن يكون هناك تغيير لديك؟... لقد فكرت في أن تكوني تغيرت...فجأة... أحسست بأنني ضعيف..إنني فعلا ضعيف...بدونك شعرت بأنني ضائع... لاتتصوري أنني حزين من أجل ذلك... لا بل إنني سعيد لأن هذه تجربة عملية عرفت فيها أنني أحبك..عملا...لا قولا...ولأن هذا سوف يسرك كثيرا .. أو على الأقل هذا إعتقادي..
أحبك أيتها الإنسانة التي جعلتني أشعر أني تائه...ضال ولا سبيل... غريق ولا شراع... قلب بلا نبض..
أحبك...وإلى أن تأتي غدا...ألف حب... وألف سلام على قلبي حتى تأتين إليَّ بالشراع...وبالسبيل... وبالنبض."
كانت هذه هي المرة الأولى التي تعتذر له عن طلب للقائها، كانت بالمنصورة حيث تقضي أجازة الصيف، وكان هو قد تسلم عمله الأول في الجيش في القاهرة، وكانت لقاءاتهما أثناء تلك الأجازة تجري بين المنصورة حيث يسافر إليها أو القاهرة حيث تأتي إليه. جاء إعتذارها أثناء مكالمته الأولى لها في ذلك اليوم كما سجل في مذكراته، فأظلمت الدنيا في عينه وشعر أنه قد تجرد من كل أسباب القوة في الحياة، أحس أنه يغرق في بحار الضياع، فقط لمجرد أنه شك للحظة أنها قد تكون فضت يدها من علاقتهما. لقد جمد الرعب تفكيره. أإلى هذا الحد وصل حبه لها وتعلقه بأهداب طيفها؟ أإلى هذا الحد ملأت عليه دنياه فلم يعد هناك غيرها؟ هذا ما تمخض عنه هذا الإعتذار وما تلاه من شك في تحولها عنه.

لقد ساوره الشك لسبب بسيط، وهو أن صوتها عبر الأسلاك كان كعادته لا تشوبه نبرة ضعف أو إشارة مرض! كما أن حديثها كان طبيعيا باسما كما تخيل هو، فلم يتبق عنده من تفسير إلا أنها تستخف به وتدير ظهرها له ببساطة! فكاد أن يطير عقله بعد أن إنخلع فؤاده! فعاد وحدثها عبر التليفون مرة أخرى بعد دقائق معدودة، وسألها عما جمَّد عقله رعبا، وطلب منها تفسيرا أو حتى حكما بالإعدام يخلصه من هذا الهاجس القاتل. ولدهشة صاحبنا ضحكت صاحبتنا ووافقته على طلبه بعد أن إستشارت أختها وتوأمها الروحي، ولم يفهم صاحبنا شيئا على الإطلاق، لماذا كان الإعتذار الذي فهمه رفضا وشك أنه توطئة لقطيعة أبدية، ثم من أين أتت الموافقة التامة بعد عشرات الدقائق فقط؟! لقد تعرض لعملية طبيعية درسها في مادة الميتالورجي تسمى "كوينشنج" أو التقسية، أي نقل المعدن الساخن جدا إلى وسط سائل بارد فجأة. كل ما فهمه أن روح قلبه ستحضر للقاءه غدا، وكان هذا كافيا لأن يثَّبت فؤاده وأن يستقر عقله في مكانه إلى أن يلقاها.
حضرت إليه ظهر يوم الخميس التالي وأمضيا يوما آخر من أيام عمرهما الجميلة، وما كان أكثرها، وكان ما ميز جمال ذلك اليوم هو إحساسه بأنه نجى من الغرق!، رغم حرج وسخافة الموقف الذي وضع نفسه فيه بجهله. فقد عرف صاحبنا أخيرا ما إستغلق عليه فهمه من إعتذارها أولا بصوتها الباسم في حرج أثناء المكالة الأولى، ومن موافقتها ثانيا بضحكتها وضحكة أختها عبر التليفون أثناء المكالمة الثانية. فهم وعرف أنه جاهل بأبسط معلومة عما يحدث شهريا لكل نساء كوكب الزهرة! وعن الإعياء أو التوتر الذي يصاحب ذلك، وبالطبع لم يكن حياؤها وخجلها يسمحان لها بأن تقول له ذلك صراحة، فإعتمدت على ذكائه أو معرفته بتلك الأمور، وإكتفت بوصف الأمر بأنه وعكة صحية، ولكن سذاجة وجهل صاحبنا لم يمكناه من الفهم! ...نعم...إلى هذا الحد كان نقص معرفته بعالم النساء، وما أكثر جهل الرجال بعالم النساء!.

20. الــتخرج والخطبة الرسمية

من الغريب أن صاحبنا لم يجد في مذكراته ما يدل على الأهمية المصيرية ليوم تخرجه من الكلية، رغم أنه لن ينسى ما ظل حيا معاناته العميقة طوال سنوات الدراسة الخمس، حتى أنه ظل لسنوات طوال بعد التخرج يتعرض لكوابيس ثقيلة تدور كلها حول الخوف من رسوبه وعدم تخرجه. لابد وأن ظهور صاحبتنا في حياته قد إستحوذ على كل وعيه كما أسر كل مشاعره.
حضر حفل التخرج في 16 يونيو 1972 أسرته كلها تقريبا عدا أبيه الذي كان مشغولا في عمله وتمنى صاحبنا أن لو قد حضر، وكانت أول مرة ترى فيها أسرته صاحبتنا. حضر أيضا شريف؛ زميل وصديق العمر لأخيه يسري، وهو الذي تولى أمر تصوير ذلك اليوم الخاص في حياة صاحبنا. كانت صاحبتنا ترتدي حلة بيضاء زادتها ضياء على ضياء، وأخبرت صاحبنا أنها تعمدت إختيار ذلك اللون حتى تبدو كعروس يوم زفافها.

بعد التخرج تمت خطبتهما الرسمية بحضور الأهل جميهم بالمنصورة في تاريخ لا يتذكره صاحبنا على الإطلاق! ولِمَّ يتذكره؟ إنه تاريخ يقع خارج علامات الطريق التي رسماها لنفسهما منذ اليوم الذي قطع لها فيه العهد في نوفمبر 1971، ثم يوم خطبتهما الشبة رسمية بحضور أصدقائما في يناير 1972، تلك كانت أيامهما التي تذكراها وإحتفلا بها طوال أربعة عقود من الزمان.

لا ينسى صاحبنا حدثا ذا دلالة خاصة بشأن تلك الخطبة الرسمية. كان لا بد أن تتم الخطبة بسرعة بعد تخرجه وذلك حتى يستطيع أن يزورها في بيت أهلها بالمنصورة أو أن يسألهم الخروج معها للتنزه في المنصورة طبقا للعرف والتقاليد، فبدون خطبة رسمية لن يمكنه ذلك. ولكن كانت هناك مشكلة التمويل لمستلزمات تلك الخطبة، فطبقا للعرف والتقاليد أيضا كان عليه مثل أي "عريس" مصري أن يقدم لها "شَبْكة" وهي عبارة عن بعض من أساور وقلادة ذهبية، هذا في الوقت الذي لم يكن يملك المال الكافي لذلك وهو بالكاد إستلم وظيفته وبالتالي لم يأخذ الوقت الكافي لتوفير ثمن تلك "الشَبْكة"!

كان الحل إبتداءا أن تكون الشبكة رمزية إلى حد ما، وهو الأمر الذي يتفق ومفاهيمه بشأن تلك التقاليد، وقد وافقت أختها ليلى على ذلك، وهذا ما قطع نصف الطريق إلى حل المشكلة، ما بقي أنه كان عليه أن يوفر ذلك المبلغ البسيط نسبيا وهو لا يملكه، فكان أن طلب من صديق عمره جلال أن يقرضه ذلك المبلغ. كان جلال أيسر منه حالا ولكنه كان يوفر المال لأجل مشروع خطبته هو الآخر، إلا أن ذلك لم يكن عاجلا، لذلك أقرض صاحبنا المال اللازم وكان مبلغ 30 جنيها! كانت كافية لشراء تلك الشبكة الرمزية التي إرتضتها صاحبتنا عن طيب خاطر رغم تواضع قيمتها جدا طبقا للمعدلات السائدة في ذلك الوقت. ورغم رغبتها الطبيعية في الحصول على شبكة ذات قيمة تعزز قيمتها لدى الأهل والأقارب طبقا لمفاهيم ذلك العصر، إلا أنها قبلت لأن حبها كان هو الحاكم على كل قراراتها، وكان حبا طاغيا.
في يوليو 1972 إستلم صاحبنا أول عمل له في القاهرة، وكان من الممكن توزيعه على الجبهة في منطقة السويس أو الإسماعيلية حيث جو حرب الإستنزاف مازال يخيم على الجبهة بشكل أو بآخر، ولكن ترتيبه المتقدم نسبيا على كثير من أقرانه جعل مكانه في الورش الرئيسية لإصلاح الأسلحة والمدافع حيث أعمال الإصلاح أعقد وأصعب وتتطلب أفضل العقول والمهارات. وجد صاحبنا أن الورشة كانت خلية نحل لا تهدأ، وأن حجم العمل بها أضخم مما يتصور، حتى أن المعدات المطلوب إصلاحها كانت تصطف بالطوايبر إنتظارا للدور! كون صاحبنا قد تخرج من الكلية للتو فكان في أدنى مستويات القيادة، وبالتالي ليس لديه فكرة واضحة أو إحساس واقعي بحجم وجدية ما يتم تخطيطه على مستوى الدولة إستعدادا لحرب قادمة.

كان يعرف أن الحرب قادمة بشكل أو بآخر، ولكنه شأنه في ذلك شأن أقرانه ومعظم الشعب المصري لم يشعروا بجدية السادات في إدعائه بأنه يسير على خطى عبد الناصر من أجل تحرير سيناء. كان السادات قد قام توا بطرد الخبراء السوفييت الذين كانوا يدعمون تدريب وتجهيز القوات المسلحة المصرية، وهذا ما أعطى إنطباعا قويا لدى الجميع بأنه غير جاد في مسألة الحرب تلك، ولم يكونوا يعلمون بالطبع خطة الخداع الإستراتيجي التي كان ينفذها السادات بدهاء شديد، حتى أن طلبة الجامعات لم يكفوا عن المظاهرات في كل من القاهرة والأسكندرية، يتهمونه بالضعف والمماطلة وتطالب بالحرب والتحرير، وكان ذلك مما أضاف لخطته قوة ومصداقية، وإستمر ذلك حتى فاجأ الجميع بعد عام بملحمة العبور في أكتوبر 1973.
في هذه الأجواء المتوترة في المحيط العام على مستوى الدولة، وواقع الإستعداد للحرب على مستوى العمل حيث يعمل صاحبنا، بدأ عمله وحقق بعض نجاحات متميزة، وتعرض لتحديات بيئة العمل الجديدة وعلاقاته مع الزملاء والرؤساء والمرءوسين، ومنها مثلا السطو على إنجازاته من نفس الزملاء الذين فشلوا في تحقيقها في المقام الأول. لم يكن قد إكتسب بعد خبرة التعامل في محيط العمل، ولكنه كان واثقا جدا من نجاحه كما سجل في مذكراته. شكل كل ذلك بيئة عمل مختلفة تماما عن حياته السابقة كطالب لمدة خمس سنوات، إستغرقت لقاءاته القدرية منها مدة سنتين، فقط، لكي يتعرف فيها على صاحبتنا!، ثم توطدت علاقته بها في الثمانية شهور الأخيرة. كان لابد وأن تتأثر حياته مع صاحبتنا من حيث التركيز والوقت المتاح لعلاقتهما.

21. الوصية

لم يجد صاحبنا وقتا ليسجل في مذكراته كثيرا من أحداث تلك الشهور؛ يوليو وأغسطس وسبتمبر من ذلك العام 1972. ويبدو أن هناك مشكلة كانت ضاغطة عليه لذا ظهرت في المذكرات كما جاءت في الرسائل المتبادلة مع صاحبتنا أكثر من مرة خلال تلك الفترة. كانت مسألة أخلاقية تتعلق بمستقبل سلوكه وأخلاقياته. كان صاحبنا مضطرا لأن يقيم بمقر عمله بخلاف معظم زملائة لأنه ليس مثلهم من سكان القاهرة الذين يعودون إلى بيوتهم بعد إنتهاء العمل، ثم أضطر إلى ترك مكان إقامته بمقر العمل ليقيم مع صديقه جلال الذي يشاركه الإغتراب في القاهرة هو الآخر، وذلك في مسكن مفروش تشاركا في دفع إيجاره. وما إن عرف زملاؤه في العمل بذلك حتى أصدر معظمهم، إلا قليلا، حكمهم عليه بأن ذلك الإنتقال إنما هو تمهيد لأن ينطلق في علاقاته النسائية بحرية مثل معظم الشباب! وبدأوا ينعون عذريته التي يدعيها أمامهم، ولم يكونوا على أدنى إستعداد لأن يقبلوا بأي نقض لحكمهم هذا أو حتى يتفهموا أنه وصديقه جلال على قدر كاف من الإلتزام الديني والأخلاقي بما لا يجعلهما حتى يفكران في أي إنحراف عن جادة الصواب. كان كلاهما إستثناء للقاعدة العريضة من أقرانهما من حيث الإلتزام بالحلال والحرام.

على الجانب الآخر، ولدهشة صاحبنا، بدأت صاحبتنا في تحذيره من الإنزلاق الأخلاقي، أيضا بسبب إنتقاله إلى السكن في مسكن مفروش! ولأن طورا جديدا في علاقتهما كان قد بدأ. يبدو أنها وقد إستقرت علاقتهما وأخذت كل ما تحتاج من إعتراف إجتماعي على مستوى الأسرتين، وتأكدا سويا من أن تلك العلاقة بينهما قد تحولت إلى عهد مقدس لا نكوص فيه، إستغرقت صاحبتنا فيما يبدو في حبه لأقصى ما يمكن.

من هنا بدأت الغيرة الطبيعية تجد طريقها إلى قلبها ثم صارت تلك الغيرة تتطور شيئا فشيئا وتنمو مع حبها لتتحول في النهاية إلى غيرة شديدة، تماما بقدر شدة حبهما غير المعتاد بين أقرانهما. كتبت له في 5 سبتمبر 1972:
"بإسم الله أقول..(.....)...أنت لي أنا وأنا فقط ولا أحد ثاني أبدا ودائما وللأبد..ستقول أنانية..أليس كذلك؟ نعم فأنا أنانية في حبك... أحبك ولا أحب أحد غيري يحبك...أغار عليك من كل شئ وأي شئ حتى من أقرب الأقرباء إليَّ...أي من شقيقاتي...تخيل...! شئ لم أبح به لأي إنسان إلا أنت...شئ إكتشفته من مدة ليست بالقصيرة...إنني أغير من أي إنسان يرنو حتى إليك...بي شعور غريب لا أقدر على وصفه...شعور إن شئت أن تسميه...أناني...أريد ولو أحتويك بين جفوني وأغمض...أو بين ذات أضلعي...شعور لست أعرف بالضبط له وصفا...يخال إليَّ إذا رأيتك تتحدث مع أنثى...أنني سوف أبكي...بكاء طفل رضيع تركته أمه وحيدا... أخاف...أخاف عليك يا (.....) من أي شئ... وكل شئ...لأنك أنت حياتي..."
عند قراءة صاحبنا لتاريخ هذه الرسالة سرت في جسمه قشعريرة مفاجئة، فقد وجد أن تاريخ الرسالة هو نفس تاريخ رحيل صاحبتنا عن الدنيا في 5 سبتمبر 2011. وكأنها وصيتها الأخيرة كتبتها مبكرا أربعين عاما. لابد وأنه عندما قرأ هذه الرسالة في حينها قد شغله الغرور بنفسه لأن إنسانة رائعة مثل صاحبتنا تحبه وتغير عليه بهذه القوة، ولم يهتم بفهم حقيقي لطبيعة صاحبتنا، وربما لا يكون قد أخذ تلك الغيرة الشديدة مأخذ الجد في حينه، في الوقت الذي كانت صاحبتنا تصيغ كل حرف مما تكتب من قلبها وروحها!.
لم يستشعر صاحبنا أي تغيير طوال عمرها في شدة غيرتها في تلك الرسالة أو الوصية، وعرف غيرتها الشديدة رغم هدوء طبعها وسكينتها الظاهرة. إنه الآن يتذكر أنها حتى في آخر أيامها معه وهي تقاوم المرض وآثاره بشجاعة فائقة، لم تستطع أن تخفي غيرتها الشديدة عليه، إذا تصادف وطال قليلا زمن رده عبر التليفون على صويحباتها في العمل واللاتي يحببنها جدا ولا ينقطعن عن السؤال عنها منذ أقعدها المرض قبل عدة سنوات. ولكنها في المقابل لم تكن تكف عن التعبد في محراب حبه وتقبيل يده كلما مرت به وهو جالس إلى حاسوبه يكتب أو يقرأ.

في رسالة أخرى كتبت له في 2 اكتوبر 1972 تصف له حالتها وهي بعيدة عنه في المنصورة، في خطاب طويل كعادتها في إطلاق قلمها بعواطفها وأحساسيها:"
"...حقا إنني أشعر بالسعادة لسعادتك وأنت بعيد عني ولكن يؤلمني الآن أن لا أشاركك فيها... بل للأسف يتمتع بها غيري..."
بدأت تغير حتى من قضاء وقته في العمل مع زملائه بعيدا عنها!
لابد وأن تلك الغيرة الشديدة والصامتة غالبا كانت السبب في كثير من مشاحناتهما الطريفة قبل الزواج، وخاصة بعده. لقد أنست سنون الزواج الرتيبة صاحبنا أمر غيرتها تلك، ويبدو أنه لم يكن يحترز أحيانا لما يمكن أن يستثير غيرتها، رغم أنه وبطبيعته وبحكم قيمه وأخلاقه كان يتجنب النساء دائما، قبل وبعد إلتقائهما. كانت تغضب في صمت وغالبا ما ترفض أن تشرح سبب غضبها!، وكان سلوكها ذلك من أكثر ما يستثير غضب صاحبنا ويخرجه عن عقله أحيانا، ورغم إدراكها أحيانا كثيرة لعدم عقلانية ذلك السلوك منها، إلا أن الأمر تكرر بكثافة في سنين زواجهما الأولى، وإستمر لمدة طويلة قبل أن تدركه أسباب حكمة السنين، إلا أن تلك الحكمة لم تتغلب يوما على شدة غيرتها وإن كانت قد خففت من غضبها. ولهذا فإن وصيتها المبكرة تلك ظلت سارية المفعول وبكامل زخمها وستظل سارية في ضمير وعقل صاحبنا ما كُتِب له البقاء.

يفيق صاحبنا من إسترساله في ذكرياته، ويقرأ في مقطع آخر من نفس الرسالة ما أسهبت في وصف حزنها ومعاناتها لأنه لم يتصل بها تليفونيا كما كانت تتمنى، حتى أنها إستحالت عصبية المزاج بشدة تضرب أبناء شقيقاتها وتصرخ فيهم وتبكي بصوت مخنوق، وتضطر إلى إعادة صلاتها أكثر من مرة بسبب عدم تركيزها. إلا أن ما يلفت الإنتباه في هذا الخطاب في تلك المرحلة المبكرة من عمريهما وفي ريعان شباب حبهما ما كتبته بشأن الموت! وكانت إشارة مبكرة لفكرة وادي الماس التي طالما تمنياها ليموتا معا:
"...للأسف يا (.....) فالقدر قاس يبدو أنه يعرف جيدا كيف أعتز بك .. فأراد وأنت معه أن تسخرا مني.. وذهبت للنوم يا (.....) وأنا حزينة النفس والوجدان محطمة الأمل وفاقدة إياه..آه ياللحسرة عقلي مشتت يذهب في شتى الأفكار.. غير قادر على تصور أي شئ.. أنا لا يمكن أن أحيا بدونك يا (.....).. فداءك نفسي يا (.....) والله وأطلب دائما أدعو إليه عز وجل أن يقضي نحبي أنا أولا.. لأنني لا أتصور الموت إلا معك.. آه يا للحسرة والصدمة العظيمة التي منيت بها لأنك لم تتحدث (تليفونيا)..."
من الإشارات الغيبية أو مصادفات الأرقام والتواريخ أن صاحبتنا كتبت لاحقا مرة أخرى في نفس تاريخ يوم رحيلها 5 سبتمبر ولكن عام 1973، وكان ذلك قبيل زواجهما بأسبوعين تقريبا، وجاءت على ذكر الموت والفراق مرة أخرى:
".. لو حدث ومت أنا... (.....) سيصدم... وأنا أخشى عليه....ذلك... كما أني أريد أن أجرب هذه الدنيا الجديدة..."
مذهلة تلك الإنسانة الرائعة، فهي تخشى من الموت، ليس على نفسها ولكن على حبيبها! والمذهل هنا هو أن هذا هو ما فعلته بالضبط يوم رحيلها بعد هذه الإشارة قبل 38 سنة، عندما أدركت إقتراب الموت وآثرت أن تصمت حتى لا تؤذي مشاعره! أي حب هذا ومن أي كون آخر أتى؟! والرائع هنا أنها وبعد ذكر الموت مباشرة في تلك الرسالة أردفت مباشرة بالحديث عن الحياة بكل قوة وحب وتخوفت من أن يمنع الموت تجربة تلك الحياة الجديدة التي لم تعرفها من قبل...الزواج، فلطالما كانت مقبلة على الحياة لأقصى درجة وبكل قوة وعمق، ولم يعيقها شئ أبدا من أن تحب كل شئ في الوجود حولها وتعيش فيه وبه، وأول ذلك كان حبيب عمرها.

في غمرة سعادتهما باللقاءات المستمرة بينهما سواء في القاهرة أو المنصورة أفاق بطلانا على حقيقة خطيرة؛ وهي أن عمل صاحبنا في القاهرة يكلفه جزءا كبيرا من راتبه الشهري فلا يتبقى ما يمكن توفيره من أجل التعجيل بزواجهما، وكان لا بد من فعل شئ، فتقدم صاحبنا إلى جهة عمله بطلب لنقله من القاهرة بنهاية شهر سبتمبر من ذلك العام، 1972. كان أبرز ما سجله في طلب النقل هذا، أنه حدد أماكن النقل التي يرغبها لتشمل جبهة القتال على قناة السويس وجنوبا إلى آخر موانئ البحر الحمر. مثل هذا النقل هو الذي سيوفر لصاحبنا تكاليف الإقامة والطعام حيث من طبيعة العمل بالجبهة أن يقيم المقاتلون بمواقعهم وأن يتم توفير الطعام والمؤن لهم، هذا غير مميزات الراتب الأعلى كتعويض عن مخاطر العمل على جبهة القتال.

قد يبدو مستغربا جدا اليوم ما طلبه صاحبنا، فمن هو ذلك الشاب الذي يعيش أجمل حلم في حياته بعدما وجد شقيقة روحه وهو الآن مقدم على الزواج، يطلب نقله إلى جبهة القتال حيث إحتمال الحرب قائم في أي يوم؟! في حقيقة الأمر أن هذا النوع من التفكير لم يكن واردا في تفكير ذلك الجيل الذي صنع نصر أكتوبر 1973 بعد عام تقريبا، كانت الحرب القادمة جزءا من الحياة الطبيعية للمصريين، أو لمعظمهم الذين يؤمنون ببلدهم ويخلصون لها، شأنها شأن أي عمل آخر. لذلك لم يأخذ الأمر كثيرا من إهتمام بطلي قصتنا، حيث كانا مثل كل المصريين يؤمنون بأن الأعمار بيد الله، وأن الحرب لاتقدم موعدا للموت ولا يؤخره البعد عنها. كان هناك وطن يؤمن به مواطنوه وهم مستعدون للتضحية من أجله بأرواحهم، وليس فقط بشظف العيش والتقشف الذي يعانون منه في أجواء توجيه كل موارد الدولة إلى دعم حرب التحرير القادمة، أو هكذا كان يعتقد صاحبنا!.

22. قطار الحب يتجه جنوبا

جاءت نقلة صاحبنا مفاجئة وعلى غير طلبه وبما يخالف توقعه، فقد تم نقله إلى أسوان في أقصى جنوب مصر، بعيدا عن الجبهة من شمالها إلى جنوبها! حيث أنه عندما تقدم بطلب النقل لم يكن يضع في حسبانه أن هناك جيشا بأسوان! ولم تكن تلك النقلة مجرد تغيير في مكان العمل أو في الجغرافيا، بل كان مقدرا لها أن تكون هي الحل للمشكلة الأعظم التي تؤجل إتمام زواج بطلينا إلى أجل غير معلوم، فقد كان القدر لايزال يمهد لهما الطريق إلى جنتهما الموعودة!

أيضا، كان مقدرا للقطار أن يكمل دوره في قصة بطلينا، فهو من الشخصيات الرئيسية في القصة التي لم تكن تبدأ أو تكتمل إلا به! حيث وصف صاحبنا وداعه لها عند عودتها للمنصورة من القاهرة حيث إختلسا كتعبيره في مذكراته ساعات قليلة من عمر الزمان أدركا فيها مشارف السعادة والأمان بقرب الحبيب من الحبيبة، فكتب في 24 أكتوبر 1972:
"...ولكنها سافرت... وأخذت معها بسمتي.. فرحتي.. وتركت لي حزنا... يكاد يقتلني... لم كل هذا العذاب.. ياللهول..أكاد أنفطر غما وحزنا... لم تستطع النظر إلى حينما تحرك القطار... نظرت إلى أسفل...أعرف أنها أيضا تعاني نفس ما أعانيه...الصبر على الفراق...هل ذلك من لوازم الحب؟"
وجد صاحبنا مقدمات ذلك الحزن المسيطر على هذا المشهد في رسالة كانت قد أرسلتها له في 18 أكتوبر تعده بحضورها في ذلك اليوم؛ 24 أكتوبر، لكي يختلسا بعضا من لحظات السعادة، حيث كتبت:
"...أقسم لك يا (.....) بكل ما هو مقدس أنني كثيرا وعندما تحين لحظة وداعك يخال إليَّ أود أن أخرج من المنزل لأهيم على وجهي لا لشئ إلا هربا من ذلك الوداع القاسي. فأنا يا (.....) أخاف لحظات الوداع؛ دائما أخاف من دموعي من دوافعي أو ماشابه ذلك؛ أخاف دائما يا حبي الغالي من مشاعري ووجداني أن تفضحا ما تكنانه لك ولهذا أود أن أهرب دائما من الفراق للفراق وليت في أحدهما شئ من راحة."
هكذا إستحالت صاحبتنا إلى أثير لطيف من أرق مشاعر الحب عند اللقاء ولوعة الألم عند الفراق......وهكذا كانت أبدا...
بعد ذلك اللقاء بشهر تقريبا، كان قد صدر قرار النقل وسافر صاحبنا إلى أسوان في أقصى الجنوب تاركا بطلتنا تعاني الوحدة في الشمال. كان من الطبيعي مع هذه الإنتقالات أن يكون القطار في صدر مشهد الفراق والوداع في ذلك اليوم، حيث كانت قد حضرت من المنصورة لوداعه، وهل كانا يملكان ألا تحضر لوداعه خاصة وهو سيغيب عنها لمدة أربعين يوما بالكامل؟! أمرٌ صعب لا يتخيلا كيفية تحمله حيث لم يتعرضا لمثله منذ أن تعانقت أيديهما قبل ما يقرب من عام كامل. كتب صاحبنا في مذكراته عن ذلك اليوم؛ 13 نوفمبر 1972:
".................وكانت هناك في وداعي على رصيف المحطة لوداعي... وقام قطاري في السابعة من مساء يوم الإثنين 13/11 مديرا ظهره لقطارها الذي غادر الرصيف المجاور في السابعة والنصف... وهكذا .. تسير قصة حبنا...على قضبان السكة الحديد!!"
كان أول شئ فعله بعد تسلمه مهام عمله الجديد، وكان في موقع مرتفع يطل على السد العالي، هو أن يقطع بالسيارة مسافة العشرة كيلومترات إلى مدينة أسوان شمال السد، وذلك لكي يحصل على مستلزمات الخطابات التي سيرسلها لصاحبتنا من أقلام وأوراق وأظرف وطوابع بريد. هكذا كانا مستغرقين كل منهما في الآخر، فما كانت مشاغل عمل جديد في مكان جديد لتشغله عنها أبدا. كانت لعلاقتهما الأولوية على ما عداها من مشاغل العمل والحياة.


23. الحب عن بعد

بعد أيام من سفره كتبت له تعتذر له عن تحفظها الزائد أثناء لقائهما قبل السفر، وهو الأمر الذي تعود عليه، إلا أنه كان يتمنى أن يسمع منها قبل تلك السفرة الطويلة بعض من رقيق مشاعرها الدافئة الدافقة التي ما فتئت تمطره بها في رسائلها!، إلا أنها لم تفعل، كما أنها كانت على ما يبدو من خطابها قد وجهت له بعض كلمات ضايقته، فقام بتوجيه اللوم لها على كل ذلك، فكتبت رسالة ليست بالقصيرة ومنها:
"إنني لا أدري ولا أعرف كيف أسجل لك مايكنه قلبي وفؤادي ويشعر ويحس به كل لحظة.. وما يخالجني من مشاعر وخلجات أحسها نحوك هي والله قطعة من ذات نفسي ووجداني... كل هذا يا (.....) وأنت تتهمني بعدم الإيجابية وكبت مشاعري بذات صدري ووجداني ولهذا تظن بأنني قاسية...لا والله....صحيح أنني أملك زمام مشاعري أمامك وأستطيع التحكم فيها.. ولكن لا أدري كيف.. ولماذا يمكنني التحكم فيها ولا حتى السيطرة عليها أو الحد منها وأنا جالسة وحدي..مع نفسي.. بل ولا حتى مع من يحيطون بي ويلتفون حوالي.. فدائما والله يا (.....) ولا شعوريا أنطق بإسمك وأبوح بحبي وشعوري نحوك ودائما ما يحلو ليَّ فيك يا (....ي بإضافة ياء الملكية لإسم صاحبنا) كلامي...........صحيح أنا كنت ثابتة أمامك حينما ودعتك ولكنني ولا شعوريا أيضا لم أستطع التحكم في مشاعري وشعوري بيني وبين نفسي ولا أعرف ماذا دهاني وبلا إرادة مني ورغما عني وجدت الدمع ينسكب من عيني يبلل ثيابي...ونفسي تعزف عن الدنيا بما فيها ومن فيها...تود أن ترحل عنها....)
بالطبع لم يستطع صاحبنا أن يتحمل رقة عذابها وحزنها، فهو نفسه يذوب حزنا لحزنها، فسارع إلى الرد عليها في 24 نوفمبر 1972 برسالة طويلة جاء فيها:
"....وإني لا أرجو أكثر من ان أفلح في جعل صورة قلبك الطاهر تظهر على شفتيك بسمة نقية من الأعماق...........وثقي أن غضبك أو حزنك لهو بمثابة خنجر في ضلوعي يجعلني أشعر بمرارة الحنظل في حلقي... يجعلني بائسا تائها لا أدري ماذا أفعل... بل إنني أتمنى ساعتئذ أن تنشق الأرض وتبتلعني للأبد من أن أراك حزينة متكدرة .........والمطلوب أن تعطيني الفرصة دائما لمراجعتك في حزنك...كل ما أطلبه منك حينئذ هو أن تحكمي عقلك في الحوار معي حتى أستطيع أن أعيد البسمة الصبوح إلى وجهك الصبوح..تلك البسمة التي شددتني بها إليك وكان...وكانت تلك القصة الخالدة..."
ذلك المطلب لم يستطع صاحبنا أن يجعلها تستجيب له طوال عمرهما معا، وبقيت على حالها من كتمان لحزنها لأي سبب أو لما يغضبها منه، وماأ كثر ما كان يفعل دون إدراك منه، فهو يحبها إلى درجة العبادة ولا يستطيع صبرا على حزنها أو غضبها. يعتقد صاحبنا أن تلك الطبيعة الكتوم المتأصلة في سلوكها كانت جزءا من طبيعتها في الحب والعطاء؛ فقد كانت في منتهى الحرص طوال حياتها معه ألا تؤذي مشاعرة أو تسبب له حزنا، ومن وسائلها في ذلك ألا تشكو منه ما إستطاعت وألا تبكي أمامه إلا فيما ندر، وألا تخبره عن أسباب ضيقها أو حزنها، ولطالما غضب هو من ذلك كثيرا حتى ليكاد يفقد عقله، فلم يكن قد فهم بعد عمق حبها له وإرادتها في ألا تؤذي مشاعره حتى ولو بالعتاب ولا حتى بالشكوى من المرض!.
لا يذكر صاحبنا أنها تأوهت يوما بقولة "آه" وهي التي عاشت معظم حياتها بقلب مريض فلم تشكو منه إلا في الحالات القصوى ومضطرة، حتى أنه وأبنائهما كانوا لا يعرفون بأزمات قلبها إلا من ملامح وجهها فقط! وهي تصر على الإنكار! وحتى يوم رحيلها، أخفت عنه آلام قلبها إلى آخر لحظة لكيلا تؤذي مشاعره بالحزن من أجلها! كان ذلك هو مفهوم الحب والتضحية لدى صاحبتنا. رغم أن تصرفها ذلك قتله حزنا لا يعرف له قرار، ها هو صاحبنا يحاول ألا يكون حزينا حتى يحقق لها أمنيتها بأن يكون سعيدا؛

24. سوء تفاهم

يتذكر صاحبنا موقف سوء التفاهم السابق عن "الجمال والحب" والذي إنتهى إلى طرافة محببة رغم ما عانته صاحبتنا من سوء التفسير، وها هو يبحث عن الطريف في رسالتها تلك، فوجد موقفا آخر من سوء التفاهم حيث أنها كانت قد غضبت منه بسبب رسالة سابقة منه لم يملأ فيها كل السطور كتابة وترك حوالي نصف صفحة خالية مما إعتبرته عدم إهتمام كاف بها. لم يتوقع أن تغضب لمثل هذا الشئ! كان قد طلب منها أن تكتب له ما إستطاعت حتى تعينه على الغربة بالكتابة عن مشاعرها الفياضة نحوه، ولم تكن هي بحاجة لهذا الطلب في الواقع، فإن ينبوع الحب عندها لا ينضب أبدا وهي عادة لا تترك في أي من رسائلها له أي فراغ يمكن أن تكتب فيه كلمة حب! لهذا جاء غضبها كبيرا:
"(....).. أراك تكرر عليَّ بأن لا أتقيد برسائلك في المراسلة وتقول أكتب إليك كلما دعاني قلبي لذلك وتقول أنك ستفعل نفس الشئ... وأنا أقول لك لماذا تضع كل شئ على كاهلي..عبارة يا (.....) أحسست منها بأنك تطالبني بكثرة المراسلة إليك وتلتمس لنفسك المبررات..أحسست منها بأنك تفتح ذراعيك مهللا للجدب الكتابي وتطلب مني مخاصمته ورفض لقائه..هل أنت مشغول جدا.. ومقدرتك على الكتابة قد قلت.. عجبا لكم أيها الرجال تطلبون من المرأة أن تكون بالنسبة لكم كل شئ وتفعل كل شئ وتقوم لكم بكل الأدوار وتنسون أنتم أنها بشر مثلكم وتحتاج منكم ما تحتاجونه أنتم منها.."
في ضوء هذه المقاطع الغاضبة من الرسائل يسترجع صاحبنا شريط حياتهما معا ويتذكر كم كان كبرياؤها عظيما وإلى حد العناد حينما يتعلق الأمر بكرامة المرأة وحقوقها، هذا رغم حبها وعطائها غير المحدود له. وبالطبع فإن طبيعتها الحنونة الرقيقة كانت تتغلب عليها دائما مهما كان غضبها منه، فكتبت وكتبت له الكثير والجميل من فيض قلبها حتى ولو لم يكتب هو لها بقدر ما ينبغي، وما أكثر وأسرع ما كانت تعتذر عن أي سوء تفاهم بينهما. وبالطبع فإنه لم يستطع إلا أن يعتذر لها ويؤكد لها أنه بحبها له صارت لحياته حياة، وذلك كما عبر لها في رسالته.
لا يتذكر صاحبنا كل مواقف سوء التفاهم بينهما، ولكنه يعلم أنها كلها تقريبا تبدأ بقول أو تصرف يصدر منه وتفهمه صاحبتنا بشكل عكسي تقريبا. وفي أغلب الأحوال يكون قول أو تصرف صاحبنا غير محدد المعنى بدقة وبالتالي يقبل التفسير الواسع منها بما أنها، على حد وصفها لنفسها دائما، تفكر كثيرا في كل قول أو فعل تستقبله، أو تقدم عليه، مع طبيعتها المتحفظة والشديدة الحرص، خاصة وهما في مستهل علاقتهما. فلم تكن قوة علاقتهما وشدة حبها له تبعد بها كثيرا عن تلك الطبيعة المتحفظة والحريصة.
كان هناك دائما ذلك الموقف من سوء التفاهم الذي تكرر كثيرا وبصور مختلفة، وهو أنها بطبيعتها المتحفظة لم تكن تقدر أن تبوح شفاهة لصاحبنا عند لقائه بعد طول غياب بكل ذلك الزخم من الحب والشوق الذي يحرقها في غيابه بينما تكتبه له بكل سخاء وكرم في رسائلها، وهو الأمر الذي حيره وعذبه كثيرا. فكان أن كتب لها يائسا وبائسا من أسوان عندما طالت فترة الفراق يشكو من جمودها ذلك، ويطالبها بالتعبير عن مشاعرها عند لقائهما التالي بـ"لمسات إنسانية معبرة" ، فكتبت له رسالة طويلة في 14 ديسمبر 1972 إختلطت فيها مشاعر الحب الدافق والشوق الحارق والغضب العارم، وجاء في أحد فقراتها:
"....ثم تأتي في النهاية وتقول ليَّ وكلك صلف وغرور وكبرياء: وثقي أنني إذا كنت أرضى بهذا التصرف الآن فلن أرضى عنه مستقبلا لأنه لا يكفي أن تحبينني في سرك وفي خطاباتك فقط.. أتهددني يا (....) ومن أنا ...(.....) ياألله... لماذا...لماذا كل هذا...لا والله...لست أنا التي تهدد...ياألله فهل أنا بعت بيع الرقيق هكذا.. لا حول ولا قوة إلا بالله..هل تتخيلني جنديا أمامك...أغضبك..فأخذت تهدده..بـ...إن هو عاد إلى ذلك السلوك مرة أخرى؟!! هل نسيت أني إنسانة مثلك..ولي إنسانيتي والتي يجب علي أن اثبتها وأحافظ عليها..هل نسيت أن كل ما تحتاجه مني...أحتاجه أنا أيضا منك...فإذا كنت مؤمنا بأن هنالك طفلٌ يسكن أعماقك ...فتذكر أنني طفلتك قبل أن أكون أمك..ثم..ما الذي يعني تريد ان تفعله مستقبلا إذا أننا ظللت على طريقتي هذه التي تنبذها وتنفرك؟ عرفني؟ من الآن حتى أكون على إستعداد له وأستعد له.. أو نفذه من الآن إذا كنت تريد ذلك لأنك تخشى المستقبل..أحب أن أقول لك..إنه.. لا ولست أنا التي تُهدَّد يا أستاذي الجليل..أليس كذلك يا (....)؟ ثم لما أنت عالم بأن حبي لك يكاد يقتلني وشوقي إليك يكاد يحرقني...فلماذا تعاتبني وتلومني..بل والأدهى والأعظم أنك تهددني..ياسيادة المغرور المعاند!! كفاك صدقي وإخلاصي ووفائي في مشاعري نحوك..ألا يساوي شيئا كل هذا عندك..هل نسيته وتركته جانبا وتذكرت المادة الفانية الزائلة؟... "

جاء سوء التفاهم من تفسير كلمة "لمسات"، حيث كان صاحبنا يقصد بها تعبير مجازي عن جوانب معنوية، بل أضاف تحديدا لمطلبه وهو أن تعبر هي شفهيا بكلمة "أحبك" عن مشاعرها مثلما تفعل في رسائلها له. هذا بينما أن أول معنى لهذه الكلمة قفز إلى ذهنها هو التفسير المادي المباشر للكلمة!. اليوم ومع القراءة المتأنية لرسائلها، لا يعتقد صاحبنا أنها قد أخطأت كثيرا في تفسير رسالته، فهي بحدسها الأنثوي تعرف تماما ما يمكن أن يريده حتى ولو لم يعبر عنه صراحة، وفي هذه المرحلة كان ضمها إلى صدره هو أقصى أمانيه، كما هو أقصى ما تتخيله هي أيضا عن أمانيه تلك لما عرفته من أخلاقه. كانا يعرفان حدودهما جيدا وكانا يختلفان داخل هذه الحدود.

من الغريب أن صاحبنا أثناء إستعادة قراءة رسائلها وجد أنها بنفسها قد كتبت له في رسالة سبقت تلك الرسالة بأسبوعين فقط وإستخدمت لفظ فعل "اللمس" في سياق برئ تماما لم يسيء هو تفسيره كما فعلت هي!، كتبت في تلك الرسالة وهي بتاريخ 1 ديسمبر 1972 عن عدم قدرتها على إبتكار تعبيرات متجددة عن حبها حتى لاتكرر نفسها بشكل يبعث على الملل:
"حقا إن نبع الحب فائض غزير..ماؤه دائما جارية..سارية...لا تتوقف أو تجف أبدا..بل كثيرا ماتفتت وتنقش الصخر الأصم الصوان...ولكن آه..ويا ويلي ها هو بعض منها قد تجمد وتحجر أمام قلمي وكلماتي...ولكنها تجري وتتدفق بقلبي وفؤادي....(....) آه... كم أود أن أراك.. وأتلمسك... وأتحدث معك... آه...ولكن كيف يحدث ها في عالم الواقع والحقيقة..."
نسيت صاحبتنا أنها إستخدمت نفس اللفظ قبل أن يفعل هو، ولكنها أساءت التفسير بينما لم يسيء هو التفسير. يعتقد صاحبنا الآن أن سلوكها ذلك يأتي طبيعيا تماما حيث يتفق مع تحفظها الزائد وحدسها كأنثى، فهي عندما إستخدمت فعل اللمس كتبته بعفوية وقصدت به معنى بريئا تعرفه هي، بينما عندما كتبه هو إرتفعت تلقائيا كل قرون إستشعارها الأنثوية وشرعت أسلحتها الدفاعية تحسبا لأي طارئ!

إن مثلها في ذلك مثل أي فتاة متدينة محافظة، كان الإلتزام الأخلاقي هو الهاجس الأكبر في حياتها، حتى مع يقينها بإلتزام صاحبنا وقيمه الأخلاقية لمدة قاربت على الثلاث سنوات في ذلك الحين، لأن خوفها كان نابعا من الضعف الإنساني بالدرجة الأولى، ضعفه وضعفها، وذلك كما كتبت له من قبل وبالتفصيل في ردها الغاضب على موضوع "الجمال والحب"، حيث إستفاضت فيه في تبرئته وتبرئه نفسها من أي إنزلاق أخلاقي.

وبالطبع كانت تعي أنها سمحت له من قبل، عندما كافئته على النجاح والتخرج من الكلية، بأن يرتشف رشفة خفيفة من كأس الفراولة كما كان يحب أن يصف فمها، ولكنها في هذه المرة أرادت أن توضح الحدود عندما إستشعرت خطر ما، فجاءت كلماتها حاسمة غاضبة. إلا أنه حتى في غضبها كانت في منتهى الحب والرقة كطبعها دائما، فها هي تعلن بقوة مقدار ضعفها في إحتياجها للحب ثم تطلب بعفوية وبشجاعة المساواة في عطاء كل منهما لهذا الحب.

كان أجمل ما في مواقف سوء التفاهم هذه هو أنها دائما ما تنتهي إلى مزيد من التفاهم! ومزيد من ذوبان كل منهما في الآخر، وهكذا ظلا طوال عمرهما معا. فها هي، قبل أن تكتب له بكل هذا الغضب وفيما يبدو أنها نسيته في ثورة غضبها، تكتب له في رسالة سابقة، تعتذر عما يمكن أن تكون قد أخطأت فيه، وتعترف له بالفضل والسبق:
"لقد كان عتابك إليَّ أشد وأقسى من عتابي لك..بل لقد عاتبتني بأكثر من عتاب في رسالتيك هاتين.. لكن معك حق بل وكل الحق في كل ما عاتبتني فيه.. وأنا آسفة يا (.....) وإغفر لي هفواتي أحيانا..ولكل عالم هفوة أليس كذلك يا (.....)؟! وإغفر لي يا أهل لكل كرم ومغفرة سذاجتي وصغر عقلي وتفكيري في بعض الأوقات والمواقف..وعموما! إنني أغفر لك عتابك القاسي إليَّ...وإلا إذا لم أغفر لحب قلبي ...أنا لا حياة لي بدونك يا حياتي...أين اذهب أنا.. أرجوك رجاء حارا يا (....) أن لا تذكر لي ثانية مثل هذه الكلمات الدامعة الباكية التي تسيل دمعي ويزف لها فؤادي..إنك كل شئ لي يا (.....ي، بياء الملكية) ياه..إنك روحي وروحي فيك..."
وها هو في عنفوان غرور ضابط مهندس حديث التخرج، لم تمنعه كبرياؤه وإعتداده بنفسه من أن يتطهر على مذبح حبها بأن يقر لها بالحكمة والعقل والعظمة، بل ويتمادي فيصف نفسه بالتضاؤل إلى جانبها، فكتب لها هذا المقطع من رسالة في نفس الفترة:
" (.....) ... يا حبيبتي السهلة الممتنعة...لأنني كلما تصورت نفسي أعقل وأحكم منك...فوجئت بك عظيمة..كبيرة... ناضجة... حتى جاءت عليَّ تلك اللحظات التي شعرت فيها بالتضاؤل بجانبك... ومن هنا كانت مناعتك.......(....) يا ندائي المحبب.. ياحبي... أحبك.. وألف أحبك...وألف ألف أحبك...يا أعظم حب... يا أنبل وأطهر قلب.. يا أشرق وجه.. يا ضحكة الملائكة.. في ضحكتك أرى ضحكات الأطفال والملائكة.. لا يكفيني هذا تعبيرا عن شعوري...ولكني أعجز من أن أعبر أكثر من هذا."
كان صاحبنا يظن أنه تعرف على عمق حكمتها وقوة حبها بشكل أكبر فقط في السنوات الأخيرة من عمرها بعدما تقاعد هو ومرضت هي فتقاربا لمدد طويلة لم تتحها مسيرة حياتهما لهما من قبل، ولكن تلك الرسائل التي نسيها مع الأيام، وما أضعف ذاكرته، ذكرته بأنه ما توقف يوما عن إحترام حكمتها وبذل الحب لها، فها هو في مقتبل عمره وفي قمة غرور الشباب وجهله، وحتى قبل أن يتزوجا، يقر لها بكل طواعية وحب بأنه يتضاءل بجوارها. وبالمقابل فها هي تذوب حبا في إعتذار أو إعتذار في حب.
لم يكن لوهم الكرامة الشخصية الزائف بينهما أي وجود. إنه يتذكر حتى في أقصى ثورات الغضب بينهما، عندما كانت هموم السنين تتثاقل عليهما، وعندما يبدو وكأن حبهما توارى خلف ضباب رتابة وملل الحياة اليومية، سرعان ما كانا يذكِّران نفسيهما بأن لهما قصة حب أكبر من كل همِّ وأقوى من كل ملل، فيستعيدان ذلك الوهج الأول لحبهما والذي لم يخبو أبدا مهما تواري تحت ثقل هموم الحياة ورعاية الأبناء، بل إنه في معظم الصور الجماعية التي إلتقطت لهما مع أبنائهما على مر السنين كانا إما يمسكان كل منهما بيد الآخر، أو يحتضنان بعضهما في إنفصال واضح عن عالم أبنائهما!. لقد ولد حبهما عظيما منذ أول شعاع نور إنبعث منها فأضاء له حياته ...وللأبد.....

كان إنهاء هذه الحالة من سوء التفاهم بينهما مقدمة خير لحلم جميل يتحقق قادم في الطريق.......

نهاية الجزء الرابع
أول فبراير 2012

...............

توطئة من المؤلف
وادي الماس - الجزء الأول
وادي الماس - الجزء الثانى
وادي الماس - الجزء الثالث
وادي الماس  الجزء الرابع
وادي الماس - الجزء الخامس
وادي الماس - الجزء السادس
وادي الماس - الجزء السابع
وادي الماس الجزء الثامن


06/09/2013

مصرنا

 

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

من الواقع

 
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................