ثقافة الهزيمة .. الحاكم والتاجر
...............................................................
 | |
طلعت حرب باشا مؤسس بنك مصر وهو الرجل الذى بنى اقتصاد وطنى فى عصره | |
بقلم : غريب المنسى
...........................
للحاكم مسئوليات دستورية وتاريخية ودينية وأخلاقيه تجاه رعيته , والتاجر بطبيعته أنانى انتهازى تهمه مصلحته الشخصية ويسعى للحاكم للفوز بمغانم شخصية.. والحاكم الحصيف هو الذى يستوعب الظروف التاريخية المحيطه بعصره ويحيط نفسه برجال الحكمة والعلم حتى يكون منصفا وملما بالحقائق فى حكمه على الأمور ليدخل التاريخ من اعظم أبوابه. وهنا نتساءل ببساطة شديدة .. هل يمكن أن يلتقى فكر وتوجهات ومسئوليات الحاكم مع طموح التاجر؟
هناك اجابتان على هذا السؤال: الاجابة الأولى وهى طبقا لكل القواعد المتعارف عليها تاريخيا أنه لايلتقى الاثنين معا .. فهما على طرفى النقيض فالحاكم كان دائما وابدا يضع مسافات بينه وبين الصغار الذين يتكالبون على بابه من أجل مصالح شخصية أنانية فالحاكم غايته أدبية وأخلاقية وتاريخية. والاجابة الثانية وهى طبقا للواقع الذى نراه فى هذا الزمن العاصف فالحاكم والتاجر أصبحا عنصرين أساسيين فى ادارة منظومة الحكم فى دول العالم الثالث.
كيف التقى النقيضين ؟ وكيف سيطر التاجر على لب وفؤاد الحاكم ؟ وكيف أصبح التاجر هو المدافع عن بقاء الحاكم ؟ فلم يعد بقاء الحاكم بناء على رغبة الجماهير بقدر ما أصبح بقاء نتيجة رغبة التاجر النهمة والجشعة فى بقاء الحال والنظام الى مالانهاية.. فبزوال الحال ستزول النعمة وتتغير موازين القوى فى عالم التجار .. الذى هو فى واقعه عالم بدائى تحكمه شريعة الغاب.
وعندما يرتبط الحاكم والتاجر فى رباط المصالح المقدس تبدأ منظومة الدولة الحديثه فى الانحدار الى مستوى مافيا مارلون براندو فى فيلم الأب الروحى الذى استولى على لب وعقول المشاهدين!! وتبدأ السيطرة على كل عناصر الاقتصاد الوطنى وقنوات توزيع الأساسيات للمعدمين والمهمشين .. فالتاجر لاقلب ولادين له حتى وان تظاهر بذلك !! وبالتالى تتكون عدة طبقات من المحتكرين يسدوا قناة الاتصال الاقتصادى بين المواطن والدولة فوصول السلع من النقطة " ألف" الى النقطه" ب " لابد أن يمر بهذه القنوات الاحتكارية التى تتحكم فى العباد والرقاب وعليه تنشأ الأزمات والغلاء والرشوة والمحسوبية .. والأهم .. مراكز القوة!!
والدول الحديثة المتقدمة والتى تعتمد على النظام الاقتصادى الحر قد تنبهت لهذه الظاهرة منذ أمد بعيد ووضعت قوانين قاسية تفصل بين الحاكم والتاجر وأيضا قوانين تحكم طبيعة عمل التاجر وهذه القوانين تسمى قوانين عدم الاحتكار .. فهذه الدول تنظر للحاكم والتاجر على انهم بشر عادى وليسوا آلهة معصومين من الخطأ وبالتالى فكل سلعة لابد أن يكون لها أكثر من مصدر وأكثر من موزع وتتنافس المصادر على تخفيض الأسعار حتى تجلب المستهلك .. وكلها قوانين مصممة لحماية المستهلك الذى هو الأساس فى الدائرة الاقتصادية .. فالمواطن وليس التاجر هو المفروض أن يكون قريبا الى قلب وعقل وفؤاد الحاكم !! وحتى ان خذله الحاكم فلابد أن يكون هناك قانون يحميه .
وخير مثال على هذا الكلام هو القضية التى رفعتها الحكومة الأمريكية منذ عدة سنوات على شركة ميكروسوفت الشهيرة والتى اتهمت فيها الحكومة الأمريكية من خلال نظام قضائى حر شركة مايكروسوفت باحتكار مجال السوفت وير وبالذات برامج التشغيل ويندوز وملحقاتها.. وبالتالى تعرضت الشركات المنافسة لخسارة فادحة وأيضا لم يكن أمام المستهلك بديلا أخر غير مايكروسوفت ليشترى مايحتاجه من سوفت وير وبالتالى تعرض لجشع الشركة فى تحديد الاسعار ليس بقانون العرض والطلب ولكن بقوة الاحتكار!! وقد دفعت مايكروسوفت مليارات من الدولارات تعويضات للمستهلكين وللشركات المنافسة الذين تضرروا من هذه السياسة الاحتكارية وتعهدت بفتح اسرار كود برامج الويندوز أمام الشركات الأخرى حتى يستطيعوا بناء برامج تتناسق مع منتجات مايكروسوفت طالما هى الشركة الوحيدة المسيطرة على 80% من أنظمة التشغيل على مستوى العالم.
دول العالم الثالث تحتاج لقوانين صارمة لفصل المصالح وتحديد الواجبات لفئة التجار لأنه فى خلال القرنين الماضيين لم يظهر فى مصر تاجر وطنى شريف غير طلعت حرب أما الباقى فهم عبارة عن خليط مهجن من الانتهازية والتملق والارتباط بالحاكم للا ضرار بمصالح البسطاء.. وهذا أكبر دليل فى حد ذاته على فشل العلاقة بين الحاكم والتاجر.