الاصلاح والتغيير .. والكوتة
...............................................................
 |
|
|
سوزان مبارك |
|
بقلم : سعد
رجب صادق
...........................
مرر مجلس الشعب المصرى فى العام الماضى ، وبسرعة غير معهودة
، مشروع قانون كوتة المرأة ، وفيه تم تخصيص 64 مقعدا
برلمانيا للنساء ، والكوتة quota أو ما يطلق عليه البعض
التمثيل الايجابى تعنى تخصيص حصص فى البرلمان ، أو نسب معينة
فى الوظائف ، أو الجامعات ، لفئات من المجتمع اعتمادا على
الجنس gender quota كما فى حالة كوتة المرأة هنا ، أو العرق
racial quota كما فى حالة السود أو غيرهم فى بعض البلاد ،
وفى الوقت الحالى فان أصواتا أخرى ترتفع فى مصر منادية بكوتة
للأقباط ، وكوتة للنوبيين ، وكوتة لأصحاب الاحتياجات الخاصة
، وغيرها ، ونظرا لأهمية الأمر ، وتأثيره على الاصلاح
والتغيير ، لا بد من معالجته بشئ من التجرد ، وبعيدا عن
العصبية لجنس أو عرق أو أفلية ، وبعيدا أيضا عن التهريج
الاعلامى ، الذى يشوه الحقائق ، ويسهم فى تحريف الرأى العام
، وتضليل الغالبية العظمى من الناس ، ويتناول هذا المقال
الجوانب التالية :
أولا : كوتة المرأة
يعتمد المؤيدون لكوتة المرأة على عاملين رئيسيين :
1- وجود هذا النظام فى بعض البلاد ، واسهامه فى رفع تمثيل
المرأة فى البرلمان ، غير أن الذى يتجاهله هؤلاء أن ذلك يكاد
يكون مقتصرا على أفريقيا ، وعلى سبيل المثال فان تمثيل
المرأة فى البرلمان الرواندى ، أو ما يطلق عليه champer of
deputies تصل الى %48.8 ، مما يجعل رواندا الدولة الأولى
عالميا فى تمثيل النساء ، بينما فى بلاد أفريقية أخرى تتراوح
النسبة بين %22 كما فى أريتريا ، و %24 فى أوغندا ، و %29 فى
جنوب أفريقيا ، و %30 فى موزمبيق ، ومما يجدر ذكره هنا أن
رواندا شهدت حربا أهلية مريرة ، وتطهيرا عرقيا genocide
مروعا ، بين العنصرين القبليين الرئيسيين فى البلاد ، وهما
ال Tutsi و Hutu ، راح ضحيته منذ بدايته فى عام 1959 وحتى
جولته الأخيرة فى عام 1994 حوالى 1,350,000 من الأفراد ، كما
عانت موزمبيق أيضا من صراع داخلى فى الفترة من 1975-1992 ،
تسبب فى حوالى مليون من الضحايا ، والحال كذلك فى كثير من
البلاد الأفريقية ، والذى يحدث عادة فى أعقاب تلك الصراعات
أن تجد تلك البلاد نفسها تحت شروط المجتمع الدولى ، أو
الغربى بمعنى أصح ، ومن تلك الشروط تمثيل المرأة فى البرلمان
، وحقها فى الاجهاض ، والعلاقات الجنسية قبل الزواج ، وغيرها
من قائمة الشروط الغربية لتلقى القروض والمساعدات الغذائية .
2- الاعلان العالمى لحقوق الانسان Universal Declaration of
Human Rights الصادر عام 1948والذى ينص فى مادته الثانية
Article 2 أنه لا تمييز فى الحقوق بسبب العرق أو اللون أو
الجنس ..، وما أعقب ذلك من اتفاقية القضاء على جميع أشكال
التمييز ضد المرأة والمسماة CEDAW ، والتى تم اقرارها فى
مؤتمر بكين Convention of Elimination of Discrimination
Against Woman بتاريخ 18 ديسمبر 1979 ، ووقعت عليها مصر ودول
عربية واسلامية أخرى ، وتحتوى الاتفاقية على ثلاثين بندا ،
بعضها ايجابى كالاقرار بحق المرأة فى التعليم ، وحمايتها من
كافة أشكال الدعارة ، والاتجار بجسدها ، غير أن الكثير منها
يدعو الى النموذج الغربى ، بدون اعتبار للدين والعرف
والثقافة والخصوصية التى تميز كل مجتمع من مجتمعات البشرية ،
ففى المادة 1 مثلا يعرف التمييز ضد المرأة بأنه ( أية تفرقة
أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس فى الميادين
السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو
المدنية أو فى أى ميدان آخر ) ، وفى المادة 3 ( تؤكد
الاتفاقية بشكل قاطع على مبدأ المساواة بين المرأة والرجل عن
طريق مطالبتها الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير المناسبة
بما فى ذلك التشريع لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين ،
لتضمن لها ممارسة حقوق الانسان والحريات الأساسية ، والتمتع
بها على أساس المساواة مع الرجل ) ، ولا يقتصر الأمر على
مطالبة الدول باتخاذ التشريعات ، بل يتعداه الى المطالبة
بتغيير الأنماط الثقافية والاجتماعية ، حيث تنص المادة 5 على
( ولذلك فان الدول الأطراف ملزمة بالعمل نحو تعديل الأنماط
الثقافية والاجتماعية لسلوك الأفراد لأجل القضاء على
التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على
فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين ، أو على أدوار نمطية مقولبة
للرجل والمرأة ) ، وفى المادة 10-ج النص على ( تنقيح كتب
الدراسة ، والبرامج المدرسية ، وطرائق وأساليب التعليم ،
بهدف القضاء على المفاهيم النمطية والمقولبة فى مجال التعليم
) ، وفى ديباجة الاتفاقية ( أن تحقيق المساواة الكاملة بين
الرجل والمرأة يتطلب احداث تغيير فى الدور التقليدى للرجل
وكذلك فى دور المرأة فى المجتمع والأسرة ) ، ورغم أن غرض
مقالى هذا ليس مناقشة حقوق النساء ، وانما التعرض لجزئية
كوتة المرأة ، فقد آثرت أن أتناول بشئ من الايضاح أسباب
المؤيدين ، لارتباط ذلك بالفهم العام للموضوع ، وكذلك
الاسهام فى تقييم الأمر ، ودوره فى قضية الاصلاح والتغيير.
وتجب الاشارة فى هذا السياق أن البلاد الأفريقية ليست أمثلة
تحتذى ، فكلها غارقة فى الصراعات القبلية والطائفية ، وكلها
أيضا تعانى من الفقر ، والأمية ، والفساد السياسى ، وانعدام
التخطيط ، وغياب مشاريع التنمية ، وغير ذلك ، وقد يكون للغرب
دور كبير فى تلك المشاكل ، الا أن الحقيقة تبقى أن من يريد
مثلا لتقليده ، فان هذا المثل لا يمكن أن يكون أفريقيا ، أما
بالنسبة للاعلانات والاتفاقات العالمية فان المهللين لها فى
العادة هم من العلمانيين الذين يتجاهلون كيف كرم الاسلام
المرأة ، ورفع قدرها ، ولكنه فى نفس الوقت حفظ حياءها وعفتها
، وراعى تكوينها الجسدى والنفسى ، ودورها المميز فى الحياة ،
ولذلك فانهم يطالبون بالمساواة المطلقة ، وبطرح ما يسمونه
الأفكار التقليدية ، يقول د . كمال مغيث فى مقاله ( مقاعد
المرأة والضرورات التى تبيح المحظورات ) ، والمنشور بصحيفة
المصرى اليوم ، بتاريخ 18-6-2009 : ( ومن هنا فالأصل أنه
ينبغى التسوية المطلقة بين الرجال والنساء فى الدستور
والقانون وما يتبعهما من لوائح وتشريعات ، هكذا فعلت أوربا
.. وقد طرحت كل تلك الدول ( يقصد الدول الغربية ) من على
عاتقها كل الأفكار التقليدية التى ترفع الرجال على النساء
درجات ، لمجرد أنهم ذكور ، أو تقصر وظيفة المرأة على امتاع
الرجل ، وترى أن للرجل السعى والكد وللمرأة القرار فى البيوت
وتربية الأطفال ، أو أن للمرأة العاطفة ، وللرجل العقل
والقوة ، ورأت الثقافة الحديثة تربية الأطفال ليست فرضا على
المرأة فقط ، كما رأت أن طول فترة الخصوبة للمرأة والتى تصل
الى نصف عمرها أحد مظاهر التخلف الاجتماعى.) ، وليس صعبا على
المهتم أن يدرك أن الدرجات التى يتحدث عنها الكاتب اشارة الى
الآية الكريمة ( ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن
درجة ) البقرة 228 ، وأن القرار فى البيوت اشارة الى الآية
الكريمة ( وقرن فى بيوتكن ) الأحزاب 33 .
ثانيا : كوتة الأقباط
حسب موسوعة ( تاريخ أقباط مصر) لعزت أندراوس ، رفض الأقباط
أن يتضمن دستور 1922 أى نص على تمثيل نسبى لهم فى البرلمان ،
معتبرين ذلك فكرة هادمة للوحدة الوطنية ، وموجبة للتفريق بين
أبناء الشعب الواحد ، ورفض الفكرة مرة أخرى الزعيم الوفدى
واصف ويصا قائلا : ( ليس فى مصر الا مصريون ) ، وفى 19 مايو
1922 عقدت الكنيسة البطرسية اجتماعا ، قرر فيه الأقباط رفض
دعوة الكوتة ، وأرسلوا برقيات بذلك لجميع المسئولين بالدولة
، وفى عام 1938رفض أقباط مصر من جديد فكرة اعتبارهم أقلية
تحتاج الى حماية الدول الأجنبية ، ومثل الوزيران القبطيان
مكرم عبيد ، وواصف بطرس غالى أمام عصبة الأمم رافضين اقتران
دخول مصر عصبة الأمم بتعهدها بحماية أقليتها القبطية .
اذا كان الأقباط على هذا المنهج فى الماضى ، فماذا طرأ عليهم
، وعلى المجتمع المصرى ، لترتفع أصوات عديدة من بينهم مطالبة
بالكوتة الآن؟!
ثالثا : كوتة العمال والفلاحين
لا شك أن حركة 23 يوليو 1952 هى أول من أدخلت نظام الكوتة
الى المجتمع المصرى بتحديد نسبة %50 للعمال والفلاحين ،
والحق أنها لم تضف أبعادا جديدة الى المشهد السياسى المصرى ،
ولم تضخ اليه مزيدا من الحيوية والدماء ، بعدما اعتاد لسنوات
طويلة على السياسيين المحترفين ، الذين افتقدوا بمرور الوقت
للحماس والعاطفة الجياشة تجاه مشاكل المجتمع ، وصاروا أكثر
حرصا على المناورات والألاعيب البرلمانية ، والأكثر من ذلك
فتور الحماس لها بعد تلك العقود ، وعدم وضوح معالمها الآن ،
والانتقادات الكثيرة التى توجه اليها ، وتصل الى حد التندر
والسخرية بمن توصلهم الى البرلمان من الأميين ، ومفتقدى
الخبرة والوعى بأهمية دورهم ووظيفتهم.
رابعا : كوتات أخرى
ترتفع فى المجتمع المصرى أصوات مطالبة بكوتات أخرى للنوبيين
والمعوقيين ، وغير ذلك ، وكلهات دعوات تصب فى حالة الهزل
والتهريج السياسى الشائع فى مصر ، والتى هى نتيجة لافتقاد
الحراك الحقيقى ، والقيمة والمعنى لكل ما يحدث فى المجتمع ،
حتى أن المرء ليعجب من وجود 24 حزبا شرعيا لا يعرف عنها
الناس شيئا ، وليس لها من دور حتى ولو صغير فى اشاعة الوعى ،
وجذب انتباه الناس للتفكير فى قضاياهم ومشاكلهم ومستقبلهم ،
وكيفية حلها والتعامل معها ، بالاضافة الى عشر مجموعات تشكلت
للدفاع عن الديمقراطية ، والحقوق السياسية ، وغيرها من
منظمات المجتمع المدنى ، وجماعات حقوق الانسان
خامسا : التجربة الأمريكية للاستفادة
والمقارنة
من المهم دائما عند التطرق لمشاكل المجتمع ، ووسائل الاصلاح
والتغيير ، الاستفادة من تجارب الآخرين ، مع الحفاظ على هوية
المجتمع وخصوصيته الدينية والثقافية وغيرها ، واختيار
التجربة الأمريكية فى هذا المقال وغيره من المواضيع التى
أتناولها يرجع الى اهتمام الأمريكيين بجمع المعلومات
والأرقام والاحصائيات وغير ذلك من ضرورات النظرة الشاملة
للمشكلة ، علاوة على اهتمامهم أيضا بتتبع وتقييم ما يقومون
به فى المجالات المختلفة ، ولذلك تكون الدراسات دائما
متوافرة للرجوع اليها ، على عكس ما يحدث فى بلادنا العربية
والاسلامية والتى تفتقر الى المنهج والوسائل اللازمة لاجراء
الأبحاث ، كما تفتقر أيضا الى التمويل المادى ، وغير ذلك
مطلوبات البحث والمتابعة المستمرة .
من المعروف أن المجتمع الأمريكى متعدد الأعراق ، ويبلغ عدد
سكانه 304,059,724 ، حسب US Census Bureau ، لعام 2008 ،
وتبلغ نسبة النساء %50.7 ، أى أن النساء أكثر من نصف المجتمع
، ومع ذلك ليست هناك كوتة نسوية ، بل ان المرأة لم تحصل على
حق التصويت الا فى عام 1920 ، وفى عام 1927 وصلت أول امرأة
الى مجلس الشيوخ Senate، وفى عام 1999 وصل العدد الى 16 ،
وهو الآن 17 من أصل مائة ، بينما عدد النساء فى مجلس النواب
House of Representative هو 70 من أصل 435 ، وفى حكم
الولايات governer فهناك 9 نساء من أصل 50 ، وفى المحكمة
العليا Supreme Court هناك 3 من أصل 9 ، وكل ذلك بالتطور
الطبيعى للحركة السياسية فى المجتمع ، فاذا ما نظرنا الى
التركيب العرقى حسب احصائيات 2007 ، نجد %12.8 من السود ،
%15.1 من أصول أسبانية Hispanic ، و % 4.4 من أصول آسيوية ،
و %1 من الهنود الحمر ، و %0.2 من هاواوى وجزر المحيط الهادى
Hawaiian & Pacific Islanders ، و %1.7 متعددى الأعراق
multicultural ، والباقى من البيض ، ورغم هذا التمازج فان
أحدا من تلك الأعراق لم يطالب بتمثيل نسبى أو كوتة ، بينما
التركيب الدينى حسب احصائيات نفس السنة كالآتى : %78.4 نصارى
، % 16.1 ملاحدة ، %1.7 يهود ، % 0.7 بوذيين ، %0.6 مسلمين ،
%0.4 هندوس ، ورغم ذلك أيضا لم يخرج من ينادى بكوتة للملاحدة
، أو بكوتة لكل مذهب من مذاهب النصرانية أو غيرها ، ومما
يجدر ذكره هنا أنه منذ عام 1870 وحتى الآن ، بلغ عدد من
انتخبوا من السود لعضوية الكونجرس بمجلسيه 123 فقط ، ويبلغ
عدد السود فى الكونجرس الحالى 43 فى مجلس النواب ، وواحد فى
مجلس الشيوخ ، بينما كان Douglas Wilder أول حاكم ولاية أسود
، حيث انتخب عام 1989 لولاية Virginia ، ومن الضرورى أيضا
الاشارة الى أن ال Thirteen Amendment من وثيقة الحقوق Bill
of Rights ألغت الرق فى 6 ديسمير 1865 ، بينما Fourteen
Amendment بتاريخ 9 يوليو 1868 اعتبرت كل من يولد على الأرض
الأمريكية ، أو من أب أو أم أمريكية فهو أمريكى ، يحق له ما
يحق لغيره من الأمريكيين ، بينما Fifteen Amendment بتاريخ 3
فبراير 1870 أعطت الحق لكل أمريكى بدون مراعاة للون أو العرق
فى الترشح وفى التصويت فى العملية الانتخابية .
بقى هناك أمر أمريكى آخر جدير بالاشارة اليه فى هذا السياق
وهو ما يعرف ب Affirmative Action ، وهو نوع من الكوتة
مقتصرة على التعليم والوظائف ، وقد صدر به الأمر التنفيذى
executive order عام 1961 على يد الرئيس الأمريكى John F.
Kennedy ، وفيه تحدد نسبة للطلاب السود فى الجامعات ، ونسبة
للسود فى الوظائف المختلفة ، لمساعدتهم على اعادة التأهل ،
ومسايرة حركة المجتمع ، ورغم ذلك فانه خلال السنوات الأخيرة
بدأ Ward Connely وهو أحد السود الأمريكيين حركة نشطة لالغاء
تلك النسبة ، معتبرا اياها تمييزا عرقيا ، واضعافا لحركة
الجد والمنافسة ، وقد نجح فى ادراجها على قائمة التصويت فى
انتخابات بعض الولايات ليترك للناس تقرير مصيرها ، مما أدى
الى الغائها فى ولايات Michigan , Washington , California ،
الخلاصة من كل ذلك أن المجتمعات الحية لا تحتاج الى تشريعات
استثنائية ، وانما تحتاج الى حركة تطور طبيعية تمهد وتؤهل
وتدفع فى مجراها بكل شرائح المجتمع للحراك والتنافس والانجاز
فى كل مجالات الحياة.
سادسا : عيوب وأضرار نظام الكوتة
1- التقليل من شأن المرأة أو الأقباط أو غيرهم كجزء من نسيج
المجتمع المصرى .
2- فتح الباب لكل جماعة عرقية أو دينية أو غير ذلك للمطالبة
بنسبة فى التمثيل البرلمانى أو غيره ، مما يحول المجتمع الى
تجمعات أو دويلات ، وكأن كل فصيل لا يعنيه قضايا المجتمع
الكبرى ، والتى تؤثر وتتأثر بكل أبنائه .
3- التركيز على الكوتة يبعدنا عن الاهتمام بقضايا الاصلاح
السياسى ، واصلاح النظام الانتخابى ، وغير ذلك .
4- يرى بعض المحللين المصريين أنه لا يوجد سند دستورى أو
قانونى للكوتة ، ومما يجب ذكره هنا أن المادة 11 من الدستور
تنص على أن الدولة كفلت المساواة بين الرجل والمرأة فى
الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
5- أعضاء البرلمان الذين يصلون بهذا الطريق يميلون فى الأغلب
للتصويت فى جانب الحكومة ، مما يحرم مشاريع القوانين من
النقاش والأخذ والرد للوصول الى أفضل ما يخدم المجتمع بصرف
النظر عن الانتماء لحزب أو جماعة .
6- الكوتة تأكيد على اختلاف أو تميز فئة أو شريحة من المجتمع
، بدل دمج المجتمع بجميع طبقاته وأعراقه وأديانه ، حتى لا
يرى المصرى مثلا الا مصريين وليس أقباطا أو نوبيين أو نساء
أو غير ذلك ، والمعروف أن هذا الاندماج والتجانس ، وعدم
الاحساس بالاختلاف من أكبر عوامل ثراء المجتمع ، ومن أعظم
دوافع نهضته وتقدمه ، والدليل على ذلك الولايات المتحدة ،
وقد أسهم الغنى العرقى لبلاد المسلمين تحت دولة الخلافة فى
تكامل المجتمع الاسلامى وحضارته ، وعندما يبدأ تنافر مكونات
المجتمع تنطلق شرارة الفتن والحروب الأهلية ، وغيرها من
مثبطات النهضة ، وعوامل التفكك ، وما يحدث فى السودان ومعظم
بلاد أفريقيا دليل ناصع على ذلك.
7- ذكر Stanley Fish ، وهو عميد كلية العلوم والفنون College
of Liberal Arts & Science بجامعة University of Illinois فى
كتابه The Trouble With Principle ، والذى صدر عام 1999 ،
تسعة أسباب مختلفة لمعارضته لنظام كوتة الجامعات والوظائف
للسود ، والسابق الاشارة اليها ، وكلها أسباب يمكن تطبيقها
على جميع أنواع الكوتة ، ومنها أنها تقليل من شأن تلك
الطائفة أو المجموعة It lowers self-esteem ، وهو ما ذكرته
هنا فى رقم 1 ، ومنها أيضا التأكيد على تميز فئة أو شريحة من
المجتمع It provokes race-consciousness ، وهو ما ذكر هنا فى
رقم 6 ، ومما يذكره أيضا أنه لا احتياج اليها It is not
needed حيث أن كل صور التمييز أصبحت غير قانونية فى كل
المجتمعات ، علاوة على أن المجتمعات المعاصرة دمجت فى حركتها
وتطورها كل طبقات المجتمع بما فيها النساء والأقليات العرقية
والدينية ، ومن الأسباب أيضا أن الكوتة لا تؤدى الغرض منها
It is not working بسبب أن فئات المجتمع التى لا تحظى
بالمكانة يرجع ذلك الى عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية
وتعليمية وغيرها ، وليس فقط بسبب غياب الكوتة ، كما أنها
تعود بنا للوراء ، الى أزمنة التمييز والطائفية It reverse
racism ، وهى أيضا فكرة غير عادلة It is not fair ، فالمجتمع
الصالح لا يفرق بين أبنائه ، وانما يدفعهم جميعا للاجتهاد
والمنافسة .
سابعا : ما هو الحل ؟
1- مشكلة المجتمع المصرى ليست فى حق المرأو أو الأقليات ،
وانما فى هضم حقوق الناس جميعا ، وكل فرد فى المجتمع أيا كان
جنسه أو لونه أو عرقه أو دينه يحتاج الى حقوقه السياسية
والاقتصادية والاجتماعية ، ويحتاج الى ممارسة دوره الفاعل فى
المجتمع والحياة ، ولذلك فان من يقصرون الأمر على المرأة أو
على الأقباط أو غير ذلك ، مثلهم كمن يقومون بعملية ترقيع لن
تحقق شيئا لا للمرأة ولا الأقباط ، ولا حتى للمجتمع بأكمله ،
ان المجتمع المصرى يحتاج الى اصلاح شامل ، تتكامل فيه
وتترابط حلقات الاصلاح ، وساعتها ستبدو فكرة الكوتة ليست فقط
نشازا ، وانما سخيفة وبالية ولا فائدة منها ، وقد وصلت
المجتمعات الاسكندنافية الى درجة من التطور وصلت فيها نسبة
تمثيل المرأة الى %45 فى السويد ، % 38 فى الدانمارك ، %37
فى فلندا ، % 36 فى النرويج .
2- الاصلاح الشامل سيؤدى الى قيام أحزاب حقيقية ، وكذلك
نقابات ومنظمات مجتمع مدنية وغيرها ، مما يتيح لها تكوين
وصقل كوادرها ، من خلال مؤتمراتها وندواتها ، واحتكاكها
بقواعدها من الناس ، وبرامجها وحملات أعضائها الانتخابية ،
كما سيتيح لكل راغب من أفرادها فهم طبيعة العمل الحزبى
والنقابى والمدنى ، مما يخلق باستمرار كوادر جديدة فاهمة
وقادرة على أداء دورها ، وليس الأميين ، ومن لا وظيفة لهم
الا النوم أو رفع الأيدى بالموافقة ، أو البحث عن الحصانة
وما يأتى معها من امتيازات ، وكلها مشاهد قبيحة معروفة
للجميع فى مجتمعنا، ومن المهم أن أذكر هنا أن مصر جربت كوتة
المرأة من قبل ، حيث صدر القانون رقم 21 لسنة 1979 ،
وبمقتضاه تم تخصيص 30 مقعدا للنساء ، غير أنه ألغى بعد ذلك ،
كعادة كل أمورنا من العشوائية وانعدام التخطيط والمبررات،
وقد بقى تمثيل المرأة فى البرلمان المصرى منخفضا منذ منحها
دستور 1956 حق الترشح والانتخاب ، وفى عام 1957 كانت هناك
امرأتان فى البرلمان ، وفى الدورة البرلمانية الحالية يوجد 8
نساء من 454 معظمهم بالتعيين ، أى أقل من %2 ، وفى الدورة
السابقة كانت النسبة %3 ، أما بالنسبة للأقباط فان الحزب
الوطنى مثلا لم يرشح على قوائمه قبطيا فى انتخابات 1990 و
1995 ، ورشح واحدا فقط فى انتخابات 2000 ، ولم يرشح أحدا فى
انتخابات 2005 .
3- اصلاح النظام الانتخابى بما يضمن نزاهته ، وخلوه من
التجاوزات الجسيمة ، بالاشراف القضائى ، وتجريم البلطجة
والتزوير وشراء الأصوات وغير ذلك مما عهدناه فى الانتخابات ،
وكذلك التوعية العامة للناس وارشادهم وافهامهم لحقوقهم
وواجباتهم ، وانعكاس ذلك على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم .
4- تخضع قضايا المرأة فى بلادنا عادة لمزاج زوجات الرؤساء
والملوك ، ونساء الصالونات اللاتى لا يعرفن شيئا عما تعانيه
المرأة أوالرجل معا من مشاق ومصاعب للوفاء باحتيجات الأسرة ،
وهؤلاء النسوة يضعن أنوفهن فى كثير من قضليا المجتمع بدون حق
قانونى أو دستورى ، ويدفعن الى اصدار تشريعات تماشيا مع ما
يحدث هنا أو هناك ، ويساعد توجهاتهن طائفة من العلمانيين غير
الأمناء على ثقافة المجتمع ودينه وخصوصيته ، يذكر د . كمال
مغيث فى مقاله السابق الاشارة اليه أن من أسباب تدنى مستوى
تمثيل المرأة فى البرلمان الخطاب الدينى ( كما تعانى بلادنا
من خطاب دينى متطرف ، يدفع المرأة بعيدا عن الحياة العامة ،
ويقصر وظائفها على ما هو عاطفى ومنزلى كما أسلفنا ، حتى أوشك
الناس على نسيان وجه المرأة فى الحياة العامة ، الا من بعض
السيدات شديدات الصلابة هنا وهناك ، ومن هنا فما الضير فى ظل
هذا الموات السياسى ، والفقر الفكرى من أن تتخذ الدولة بعض
التدابير الاستثنائية للدفع فى الأمور فى اتجاهها الطبيعى ،
اتجاه المساواة بين المرأة والرجل ) ، ولا أدرى أين يعيش
الرجل ، ومن أوحى له بوشوك نسيان وجه المرأة فى الحياة
العامة ، والمرأة المصرية موجودة فى كل مكان ، الا أنها
تعانى الظلم والتهميش كما يعانيه الرجل تماما ، تقول سكينة
فؤاد الصحفية ، ونائب رئيس حزب الجبهة الديموقراطى ، كما
نشرت اليوم السابع بتاريخ 15-1-2010 : ( ان الكوتة عار على
تاريخ المرأة السياسى لأنها شريك أساسى ، وليست كائنا هامشيا
) ، ولذلك فانه من الضرورى للاصلاح والتغيير مراعاة أن
التشريعات ليست مما يخضع لهوى الزوجات ونساء الصالونات
والعلمانيين الكارهين لدين الأمة وثقافتها ، وانها أمر شديد
الأهمية والخطورة لتأثيراته على أنشطة المجتمع المختلفة ،
مما يجعل دراستها ، والتيقن من جدواها من الضرورات اللازمة ،
وأن يتم كل ذلك باعتبار مصلحة المجتمع فقط ، وليست أهواء
وأمزجة البعض.
5- يغفل جميع من يتعرضون لقضايا المجتمع للبعد الشرعى ، رغم
أهميته وخطورته ، وضرورته الأخلاقية والعملية ، وبما أن
أعضاء البرلمان هم السلطة التشريعية للمجتمع ، وجب مراعاة
الشروط الواجب توفرها فى المجتهد ، والذى هو بمعنى آخر من
يبحث للناس عن قوانينهم وتشريعاتهم التى تنضبط بها حركة
الحياة ، ووجب أيضا مراعاة أن اختيار بعض الأعضاء بالتعيين
أو بالكوتة مما يجافى الضوابط الشرعية التى توجب اختيار
الأفضل لرعاية مصالح الناس ، ولذلك يقول الرسول (ص) : ( من
استعمل رجلا على عصابة من المسلمين ، وفيهم من هو أرضى لله
منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين ) رواه الحاكم فى
المستدرك 7023 ، وعصابة من المسلمين هنا تعنى المسلمين ،
وأرضى تفهم على معناها الشامل من التقوى والكفاءة لادارة أمر
الجماعة أو المجتمع ، ولأن مجالسنا النيابية تخلت عن تلك
الضوابط ، وأصبحت تجمعا لمن وصل بالغش والتزوير أو شراء
الأصوات ، أو لعصبية الأسرة ، أو بالتعيين الذى لا يستحقه ،
أو بالكوتة التى تجافى مبادئ العدل ، بل حتى تجافى مبادئ
الديمقراطية التى توجب التنافس ، والمساواة فى الفرص بين
المرشحين ، وترك الأمر فى النهاية للناس يختارون الأفضل
لتمثيلهم ورعاية مصالحهم ، فان ذلك تضييع للأمانة ، عن أبى
هريرة (رض) أن رجلا سأل النبى (ص) عن الساعة - أى يوم
القيامة - ، فقال (ص) : ( اذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة )
، قال : كيف اضاعتها يا رسول الله ؟ قال : ( اذا أسند الأمر
الى غير أهله ) البخارى 6015 ، لقد أصبحت بديهية يدركها كل
مصرى ما حاق بالمجتمع من خلل وفوضى ، وما أنتجته عقود من
المفسدين الذين ضيعوا الأمانة ، وخانوا الناس جميعا ، وتخلوا
عن دورهم فى السهر على مصالح الأمة ، حتى أوردونا موارد
الخيبة والخسران .
ان الكوتة ببساطة شديدة ، وفى كلمات قلائل ، فكرة فاسدة ،
والأفكار الفاسدة تقود الى مجتمعات فاشلة ، وما علينا جميعا
الا السعى نحو الغاء نسبة ال %50 عمال وفلاحين ، وكوتة
المرأة ، وغيرها مما يجرى الاعداد له ، واطلاق اصلاح شامل
للعملية السياسية والحزبية والانتخابية ، وتفعيل دور المجتمع
بأفراده ومنظماته ، وهو ما سيقود الى حالة من الأمل والحراك
والمنافسة ، ستفرز أفضل من فى مصر ، وتدفع بهم الى قيادة
المجتمع ، والعناية يشأنه ، واعلاء مكانته ، وما عدا ذلك فهو
ترقيع وتضليل ، وهزل وتهريج ، لن يزيد أحوالنا الا تدهورا
وانحدارا.
سعد رجب صادق
saad1953@msn.com